: آخر تحديث
دعوات إلى تجديد المشروع العربي وحماية الدولة الوطنية وربط التنمية بالاستقرار والثقافة

في ندوة بمنتدى أصيلة: استعادة المبادرة مدخل العرب إلى المستقبل

4
4
3

إيلاف من أصيلة: أعاد اليوم الثاني والأخير من ندوة «العالم العربي في أفق 2030: التحديات، التحولات والآفاق»، المنظمة في إطار الدورة الخريفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي، طرح سؤال المستقبل العربي من زاوية الحاضر المثقل بالأزمات والصراعات والتناقضات. ولم يقتصر النقاش على استشراف ما قد تعرفه المنطقة خلال السنوات المقبلة، بل امتد إلى البحث في أسباب تعثرها، وحدود قدرتها على التأثير في التحولات الدولية، والشروط الضرورية لاستعادة المبادرة وبناء مشروع عربي يستجيب لتطلعات شعوبها.

وتقاطعت مداخلات المشاركين عند إشكالية أساسية تتمثل في مدى امتلاك الدول العربية الأدوات السياسية والاقتصادية والفكرية والثقافية التي تمكنها من صياغة مستقبلها، عوض البقاء في موقع المتلقي للتحولات التي تقودها قوى دولية وإقليمية أخرى. وبين الدعوة إلى تجاوز الجمود وإعادة بناء العمل العربي المشترك، والتحذير من استمرار أزمات الدولة والاستقرار والتنمية، حضرت القضية الفلسطينية والتحولات التكنولوجية والبيئية وأوضاع الأجيال الجديدة باعتبارها عناصر رئيسية في تحديد ملامح المرحلة المقبلة.

هشام الشريف: المستقبل تصنعه المبادرة لا التوقعات
أكد هشام الشريف، وزير التنمية المحلية المصري السابق، أن التفكير في المستقبل لا ينبغي أن يقتصر على توقع الأحداث واستشراف الاحتمالات، بل يتطلب امتلاك القدرة على صناعة التحولات من خلال الإبداع وإعمال العقل والاستناد إلى المعرفة ومؤسسات العلم والتنوير.

وقدم الشريف ثلاثة مسارات ممكنة أمام العالم العربي، تتمثل في استمرار الأوضاع الراهنة، أو تدهورها نحو وضع أكثر صعوبة، أو الانتقال إلى واقع أفضل. ونبه إلى أن الفوارق بين الدول والمجتمعات مرشحة لمزيد من الاتساع، بالنظر إلى تفاوت قدراتها على العمل والإنتاج، واستيعاب التكنولوجيا، والاستعداد للتغيرات التي سيحملها المستقبل.

وشدد، في هذا السياق، على أهمية توجيه استثمارات أكبر نحو الشباب والمفكرين والمثقفين، وتمكينهم من المساهمة في إنتاج المعرفة والابتكار، بما يساعد على تقليص الفجوات القائمة ورفع قدرة المجتمعات العربية على مواكبة التحولات المقبلة.

حسن عبد الرحمن: فلسطين في صلب أي تصور للمستقبل
من جانبه، ربط حسن عبد الرحمن، مندوب منظمة التحرير الفلسطينية السابق في واشنطن والسفير السابق للمغرب، إمكان الحديث عن مستقبل عربي مختلف بضرورة مواجهة الواقع الفلسطيني، وما يعيشه الشعب الفلسطيني من معاناة في المرحلة الراهنة.

وطرح تساؤلات بشأن حقيقة المكانة التي تحتلها القضية الفلسطينية في سلم الأولويات العربية، متسائلا عما إذا كانت لا تزال تحظى فعلا باعتبارها القضية المركزية للعرب، في وقت تنشغل فيه النخب والحكومات باستشراف مستقبل المنطقة حتى عام 2030.

وأشار إلى أن الفلسطينيين يشعرون بأن قضيتهم لم تحظ بالاهتمام والجدية الكافيين، سواء من الناحية السياسية أو الإنسانية، الأمر الذي يضعف إمكان بناء رؤية متماسكة للمستقبل في ظل استمرار الأوضاع الحالية.

واستحضر الدبلوماسي الفلسطيني الصلة بين الحروب التي عرفتها المنطقة والقضية الفلسطينية، متسائلا عن إمكانية إرساء الاستقرار وتحقيق التنمية ومواكبة التقدم العالمي قبل التوصل إلى حل لها. واختزل موقفه في العبارة الواردة في خطاب صاغه الشاعر محمود درويش: «الحرب تندلع من فلسطين، والسلم يبدأ من فلسطين».

حكيم بن حمودة: إعادة بناء المشروع العربي لمواجهة التفكك
وتناول حكيم بن حمودة، المدير التنفيذي للمعهد الدولي للتحولات الديمقراطية ووزير الاقتصاد والمالية التونسي السابق، صعوبة بلورة تصور عربي مشترك للمستقبل في ظل الحروب والاعتداءات التي تهدد وجود الدول، وعجز النظام العربي عن تقديم مشروع قادر على تجديد الأمل لدى المواطنين.

وحدد ثلاثة احتمالات رئيسية لمآلات المنطقة: أولها استمرار التفكك والانشطار، باعتباره السيناريو الأكثر خطورة؛ وثانيها بقاء الوضع القائم من خلال إعادة إنتاج الاختلالات نفسها؛ وثالثها إطلاق مسار جديد لإعادة بناء المشروع العربي تحت شعار «عودة الروح».

ولمواجهة الجمود، اقترح بن حمودة خمسة مرتكزات أساسية، يبدأ أولها بإعادة بناء الدولة وتوسيع المشاركة السياسية، بما يشكل بديلا للاستبداد والعنف. ويتمثل الثاني في الانتقال إلى نموذج تنموي يقوم على التحول الطاقي والتكنولوجي بدلا من الاقتصادات الريعية، فيما يرتبط الثالث بإرساء عقد اجتماعي جديد يتصدى للفقر والتهميش.

أما المرتكزان الرابع والخامس، فيتعلقان بإحياء التضامن والتعاون بين الدول العربية عوض الارتهان المستمر للتحالفات الأجنبية، والانفتاح على تعاون دولي أوسع والمساهمة في بناء نظام متعدد الأطراف، بما يحد من الهيمنة الأحادية ويتيح للعرب موقعا أكثر فاعلية في العلاقات الدولية.

خير الله خير الله: أزمات الحاضر تعرقل استشراف الغد
في قراءة اتسمت بالتشاؤم، استبعد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي اللبناني خير الله خير الله وجود أسباب كافية للتفاؤل بمستقبل المنطقة، معتبرا أن العرب ما زالوا محاصرين بأزمات الحاضر، وأن تجاوزها يمثل مقدمة لا غنى عنها لأي محاولة جادة لاستشراف السنوات المقبلة.

وتوقف عند تداعيات «طوفان الأقصى»، مثيرا أسئلة بشأن أدوار إيران وإسرائيل في تشكيل المشهد الإقليمي، كما أشار إلى التطورات المرتبطة بالعلاقة بين السعودية وإيران في اليمن، باعتبارها دليلا على استمرار انشغال المنطقة بإدارة صراعاتها الراهنة، بدل التفرغ لبناء تصورات بعيدة المدى.

ورأى أن المشكلات التي تعانيها المنطقة العربية، أو ما وصفه بـ«العوالم العربية»، تبدو عصية على الحل في الأفق المنظور، ما دامت مفاتيح معالجة العديد من أزماتها توجد، في حالات كثيرة، في طهران، بدلا من العواصم العربية المعنية مباشرة بتلك الأزمات.

نديم قطيش: تفاوت القدرات يهدد المستقبل العربي المشترك
واختار نديم قطيش، الكاتب الصحفي والمحلل السياسي اللبناني والمدير العام السابق لقناة «سكاي نيوز عربية»، مدخلين استفهاميين لبدء مداخلته: هل يوجد بالفعل نظام عربي؟ وهل المقصود بعام 2030 هو التقويم الميلادي أم الهجري؟

وأوضح أن الدول العربية تتقاسم اللغة والهوية الثقافية والجغرافيا والمصالح، لكنها لا تتحرك بالوتيرة نفسها، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوات بينها بصورة مقلقة. واعتبر أن تقدم بعض الدول لا يضمن بالضرورة إنقاذ الدول المتعثرة، مثلما أن انهيار بعضها قد يفضي إلى انتقال مخاطر التفكك وعدم الاستقرار إلى محيطها. ومن هذا المنظور، عكس سؤاله بشأن التقويم تفاوتا في المسارات والقدرات، وليس مجرد اختلاف في طريقة احتساب الزمن.

ودعا قطيش إلى إعادة ابتكار شاملة تتيح للدول العربية التعامل مع الاضطرابات الاقتصادية العالمية، محددا ثلاثة شروط لذلك: القدرة على التحرك في مواجهة جمود المؤسسات السياسية والاقتصادية والتربوية، وصياغة خيارات واضحة بشأن طبيعة العالم الذي تسعى الدول العربية إلى التفاعل معه، ثم تعزيز إمكان تحمل الصدمات والتكيف معها وإنتاج بدائل مناسبة.

وشدد على ضرورة مغادرة التفكير القائم على نظرية المؤامرة نحو مقاربة عملية لإدارة التحديات، بما في ذلك التفوق العسكري والأمني الإسرائيلي، والتعامل مع ما وصفه بـ«الضعف الإيراني». وربط ذلك باستعادة الدولة احتكار قرار الحرب والسلم والسلاح، وإطلاق مسارات تفاوض سياسي واجتماعي مع البيئات التي وظفت إيران علاقاتها ونفوذها داخلها.

كما دعا إلى اعتماد سياسات أكثر فاعلية لإدارة الموارد النادرة، وفي مقدمتها المياه والكفاءات والحوكمة الرشيدة، والتعامل مع ما سماه الفوائض، التي تشمل النازحين واللاجئين والمدن المدمرة والشباب العاطل عن العمل، إلى جانب تدبير التنافس بين دول المنطقة في سياق التحولات التي يعرفها النظام العالمي.

محمد تاج الدين الحسيني: الاستقرار أساس التنمية والاستثمار
من جهته، اعتبر محمد تاج الدين الحسيني، أستاذ القانون الدولي، أن قدرة العالم العربي على تجاوز أزماته ترتبط بمدى نجاحه في التعامل مع التحديات السياسية والأمنية والبيئية، وفي مقدمتها توفير الاستقرار الضروري لتحقيق التنمية.

وأشار إلى أن استمرار الحروب وتفاقم الأزمات يضعفان فرص استقطاب الاستثمارات والاستفادة من الكفاءات والمواهب، مؤكدا أن الاستقرار لم يعد خيارا ثانويا أو مطلبا مؤجلا، وإنما أصبح شرطا أساسيا لبناء المجتمعات وتحقيق التنمية المستدامة.

وفي معرض حديثه عن التحولات الديمغرافية، لفت الحسيني إلى أن معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة يبلغ نحو 26 في المائة. ورأى أن هذه النسبة تكشف عن مفارقة حاسمة، إذ يمكن أن يتحول الشباب إلى مصدر اضطراب اجتماعي إذا استمرت الظروف الراهنة، أو إلى رصيد تنموي مهم إذا توافرت السياسات القادرة على تأهيلهم والاستفادة من إمكاناتهم.

وعلى المستوى البيئي، نبه إلى أن 18 بلدا عربيا تعاني شح المياه، محذرا من أن التنافس على الموارد المائية قد يشكل أحد مصادر النزاعات المستقبلية. كما تناول التحولات التي يشهدها قطاع الطاقة عالميا، في ظل تراجع الاعتماد على النفط والغاز وتزايد أهمية المصادر البديلة، مقابل محدودية التصورات العربية العملية بشأن استثمار الإمكانات المتاحة في الطاقة الشمسية والريحية والهيدروجين الأخضر.

وخلص إلى أن استمرار العالم العربي في موقع الموضوع الذي تدور حوله العلاقات الدولية، من دون مشاركة مؤثرة في صناعة القرارات والدفاع عن المصالح والقضايا الحيوية، يظل وضعا غير مقبول من الناحيتين المنطقية والعملية.

مصطفى الخلفي: تحصين الدولة الوطنية في مواجهة التفكيك
وحذر مصطفى الخلفي، الباحث ووزير الاتصال والناطق الرسمي السابق باسم الحكومة المغربية، من تحديات اعتبر أنها تمس وجود الأمة العربية، سواء من حيث تماسكها بوصفها كيانا حضاريا وإقليميا، أو من خلال المشاريع التي تستهدف تفكيك الدولة الوطنية وإضعاف مقوماتها.

وحدد خمسة تحديات رئيسية تستدعي تجديد التفكير العربي ومراجعة أدوات التحليل التي سادت قبل السابع من أكتوبر 2023. ويتعلق التحدي الأول بمشاريع التجزئة والتقسيم والتفكيك، والثاني بالمشروع الصهيوني، فيما يرتبط الثالث بأسئلة السياسة والديمقراطية، والرابع بالتحديات الاقتصادية، والخامس بقضايا الأمن والاستقرار.

وأكد أن التعامل مع هذه التحديات يفرض على النخب العربية تحمل مسؤوليتها الفكرية والسياسية، وإعادة الاعتبار إلى دور التفكير الاستراتيجي في تشخيص المخاطر واستباقها، بما يضمن تعزيز مناعة الدولة الوطنية وحماية القرار الوطني من محاولات الإضعاف والزعزعة.

عبد الله بوصوف: لا مستقبل عربيا من دون مشروع ثقافي
وربط عبد الله بوصوف، الأمين العام لمجلس الجالية المغربية بالخارج، إمكان بناء مستقبل عربي مشترك بمدى قدرة المنطقة على استعادة مكانة الثقافة في مشاريعها التنموية. وأشار إلى تراجع الاهتمام بالكتاب والترجمة والسينما والمسرح، معتبرا أن التنمية لا يمكن أن تحقق أهدافها في غياب مشروع ثقافي متكامل يعيد وصل المجتمعات العربية بعضها ببعض.

وأوضح أن العرب لم يتمكنوا، حتى الآن، من صياغة مشروع ثقافي يستجيب لأسئلة القرن الحادي والعشرين وتحولاته، داعيا إلى إعادة التفكير في الوحدة العربية انطلاقا من التاريخ المشترك، بمختلف امتداداته الجغرافية والحضارية.

وانتقد، في هذا السياق، بعض المقاربات العربية لتاريخ الإسلام، التي تركز على انتقال مراكزه من المدينة إلى دمشق وبغداد والقاهرة ثم إسطنبول، من دون أن تمنح المكانة نفسها لحواضر الغرب الإسلامي، مثل القيروان ومراكش وفاس وقرطبة. ورأى أن هذا المنظور يؤدي إلى تهميش جانب أساسي من التاريخ العربي، داعيا إلى كتابة تاريخ متكامل يربط المشرق بالمغرب ويستوعب تنوع التجربة الحضارية العربية.

كما أثار مسألة ضعف توظيف الكفاءات العربية المقيمة في الخارج، مشددا على ضرورة التفكير في مشروع مجتمعي جديد يستثمر هذه الطاقات ويستجيب للتحولات التي تعرفها المجتمعات العربية، بدل الاكتفاء باستعادة الشعارات التقليدية.

إياد أبو شقرا: عناصر القوة العربية تتحول إلى نقاط ضعف
وأقر الكاتب الصحفي والمحلل السياسي اللبناني إياد أبو شقرا بأن المشهد العربي لا يوفر أسبابا كثيرة للتفاؤل، لكنه حذر من أن التشاؤم لا ينبغي أن يقود إلى الاستسلام أو الانهيار أو القبول بالأمر الواقع باعتبارها خيارات لمواجهة الأزمات.

ورأى أن الاختلالات القائمة تتجاوز الأزمات العابرة، لتطال البنى الاجتماعية والسياسية والمؤسسات وأنماط التفكير، فضلا عن ضعف الاستعداد للاعتراف بأوجه القصور في الممارسة السياسية ومواجهتها بصورة نقدية ومسؤولة.

ولفت إلى غياب آليات فعالة لمعالجة الأزمات، وعدم وجود قيادة تمتلك رؤية عربية شاملة وتلتزم بمبادئ ديمقراطية حقيقية، إلى جانب استمرار الخلافات بشأن طبيعة التحدي الأساسي الذي تواجهه المنطقة. وأشار إلى مفارقة تتمثل في أن الموقع الجغرافي للعالم العربي، واتساع سوقه، وامتلاكه ثروات نفطية كبيرة، وهي عناصر يفترض أن تمنحه قوة إضافية، أصبحت في الوقت نفسه عوامل تجعله محط استهداف وتنافس.

ودعا أبو شقرا المثقفين والمفكرين ومراكز البحث إلى الانخراط في معالجة هذه الاختلالات، محذرا من ضيق الوقت وتراكم العوامل السلبية. وأكد أن أزمة الدولة تمثل تحديا مركزيا، في ظل وجود بلدان عربية لم تعد تتوافر فيها المقومات الأساسية التي تمكنها من ممارسة وظائفها، إلى حد العجز عن حماية حدودها.

كما انتقد تراجع فاعلية الدور الوطني، معتبرا أن النقد الذاتي، على أهميته، تجاوز في بعض الحالات حدوده الإيجابية وتحول إلى ممارسة مفرطة لجلد الذات، بما ينذر بإضعاف القدرة على الفعل والتغيير.

محمد المعزوز: لا دولة وطنية من دون استقلال فعلي
وانطلق محمد المعزوز، الكاتب والباحث المغربي المتخصص في الأنثروبولوجيا السياسية، من قراءته لتقارير دولية حديثة، ليشير إلى أن تسارع التحولات العالمية جعل فهم الأحداث وتفسير اتجاهاتها أكثر تعقيدا من السابق.

وتحدث عن حالة من العطالة الفكرية على المستويين الدولي والإقليمي، تتجلى في استمرار الاعتماد على أدوات تحليل ومفاهيم تجاوزها الزمن، ولم تعد قادرة على استيعاب سرعة التحولات أو تفسير طبيعتها المركبة.

واعتبر أن الصراعات لم تعد تدور أساسا حول الهوية العربية باعتبارها هوية ذات بعد إثني، بل باتت ترتبط بصورة متزايدة بالموقع الجغرافي والسيطرة على المجالات الترابية، وما تتيحه من ثروات ومصالح اقتصادية واستراتيجية.

وأشار إلى أن التطور المتسارع في مجالات التكنولوجيا والرقمنة والعلوم يجعل التنبؤ بمآلات الأحداث أمرا بالغ الصعوبة، في ظل تغير موازين القوى وتبدل أدوات التأثير. وخلص إلى أن الحديث عن دولة وطنية تفتقر إلى الاستقلال الاقتصادي والسياسي والثقافي يظل، في تقديره، مجرد خطاب للاستهلاك، ما لم يتحول الاستقلال إلى قدرة فعلية على اتخاذ القرار وصيانة المصالح الوطنية.

محمد أوجار: جيل جديد يحتاج إلى سردية مختلفة
وفي آخر المداخلات، ركز محمد أوجار، وزير العدل المغربي السابق والسفير السابق، على التحولات التي طرأت على اهتمامات المواطن العربي، موضحا أن الأولويات اليومية المرتبطة بالغذاء والعمل والتعليم والصحة باتت تستحوذ على اهتمام أكبر من الخطابات العامة المتعلقة بمستقبل العالم العربي.

ورصد تنامي أشكال من الوعي الهوياتي المرتبط بالجغرافيا والانتماءات الجهوية، داعيا النخب إلى إدراك أن المجتمعات تتغير، وأن تطلعات الأجيال الجديدة لم تعد مطابقة لما كان سائدا خلال العقود الماضية.

وأشار إلى أن الشاب العاطل عن العمل قد يجد في الهجرة أفقا لتحقيق طموحاته أكثر مما يجده في الانتماء إلى هوية عربية جامعة، وهو ما يستدعي، في رأيه، صياغة سردية جديدة تتفاعل مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الراهن، وتتجاوز التصورات التي بلورتها الأجيال التي برزت في ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي.

واستدل أوجار على تبدل مصادر التأثير داخل المجتمعات العربية بما يحققه لاعب كرة قدم مغربي من قدرة على استقطاب جمهور واسع، قد يفوق في حجمه الجمهور الذي يستطيع سياسي أو مفكر أو زعيم حزبي الوصول إليه. ويعكس هذا المثال، بحسب دلالة مداخلته، الحاجة إلى فهم التحولات التي أعادت تشكيل علاقة الأجيال الجديدة بالرموز والقيادات ومصادر الإلهام.

وهكذا، كشف النقاش في أصيلة عن تعدد المقاربات بشأن مستقبل العالم العربي، بين من يراهن على تجديد المشروع العربي وتعزيز التعاون والتنمية، ومن يشدد على أولوية معالجة الصراعات وتحصين الدولة الوطنية، ومن يدعو إلى إعادة بناء السردية الثقافية والسياسية بما يتلاءم مع تطلعات الأجيال الجديدة. غير أن القاسم المشترك بين هذه المداخلات ظل مرتبطا بضرورة الانتقال من استهلاك التحولات إلى المشاركة في صنعها، ومن أسر أزمات الحاضر إلى امتلاك الأدوات التي تتيح بناء مستقبل أكثر استقرارا وفاعلية


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات