إيلاف من دبي: من الصحراء الكبرى وضفاف النيل إلى التبت ومكة المكرمة والمدينة المنورة، أمضى المصور الياباني كازويوشي نوماشي أكثر من نصف قرن يتتبع حياة الشعوب ومعتقداتها وطقوسها الدينية في بعض أقسى بقاع الأرض. مسيرة وثّقها في أكثر من 15 كتاباً، وتُوّجت اليوم الثلاثاء 13 تشرين الأول (أكتوبر) 2026 بإعلان فوزه بالجائزة التقديرية لجائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي «هيبا».

وأعلنت الأمانة العامة للجائزة اختيار نوماشي للتكريم في دورتها الخامسة عشرة، التي تحمل عنوان «الأسرة»، تقديراً لأعماله الفوتوغرافية التي رصدت العلاقة بين الإنسان والأرض، وتأثير المعتقدات والتقاليد المتوارثة في حياة المجتمعات، ولا سيما تلك التي تعيش في المناطق النائية والمناخات القاسية.

ووُصفت أعماله ومؤلفاته في الصحافة العالمية بأنها «وثيقة قيّمة عن الإنسان والأرض»، فيما توزعت رحلاته على ثلاث قارات، وأثمرت كتباً من أبرزها «الصحراء الكبرى» (Sahara)، و«النيل» (The Nile)، و«التبت» (Tibet)، و«مكة المباركة، المدينة المنوّرة» (Mecca the Blessed, Medina the Radiant).

نصف قرن من التوثيق
لم تبدأ رحلة نوماشي مع التصوير الوثائقي من المعابد أو المدن المقدسة، بل من الصحراء الكبرى، التي زارها للمرة الأولى وهو في الخامسة والعشرين من عمره. هناك، لفتته المساحات الأفريقية الشاسعة وقدرة السكان على مواصلة حياتهم في ظروف بيئية شديدة القسوة، فغيّرت تلك التجربة اتجاهه المهني.
ومنذ ذلك الحين، اتخذ من «الصلاة والسعي نحو المقدسات» محوراً لأعماله، متنقلاً بين مجتمعات تختلف في ثقافاتها ومعتقداتها، لكنها تتشارك محاولات التكيف مع الطبيعة والمحافظة على تقاليدها.
وفي صوره، لا ينفصل الإنسان عن محيطه. فالوجوه والأشخاص جزء من مشاهد طبيعية واسعة، تتداخل فيها ملامح الحياة اليومية مع الطقوس الدينية، وتمنحها الإضاءة والتكوينات البصرية طابعاً يجمع بين التوثيق الفوتوغرافي والتصوير الفني.

من الإعلان إلى الصحراء
وُلد كازويوشي نوماشي عام 1946 في محافظة كوتشي اليابانية، ودرس في مدرسة كوتشي الثانوية التقنية، حيث بدأ ممارسة التصوير خلال مراهقته.
وفي عام 1969، درس التصوير على يد المصور تاكاشي كيجيما، قبل أن يبدأ مسيرته المهنية عام 1971 مصوراً مستقلاً في مجال الإعلانات.
لكن رحلته إلى الصحراء الكبرى عام 1972 شكّلت نقطة التحول في حياته. فقد دفعه ما شاهده من قدرة السكان على العيش وسط الظروف الطبيعية الصعبة إلى الانتقال من التصوير الإعلاني إلى التصوير الصحافي والوثائقي.
ومن تجربته الطويلة في الصحراء، انتقل اهتمامه إلى نهر النيل. وفي عام 1980، بدأ مشروعاً لتوثيق النهر، متتبعاً النيل الأبيض من منطقة الدلتا باتجاه منابعه في أوغندا، وصولاً إلى منطقة جليدية، كما تتبع النيل الأزرق حتى منبعه في المرتفعات الإثيوبية.
وكان هذا المشروع امتداداً لاهتمامه بعلاقة الإنسان بالماء والأرض، بعدما انشغل سنوات بتصوير الحياة في البيئات الصحراوية القاحلة.

مكة والمدينة بعدسة يابانية
ابتداءً من عام 1988، اتجه نوماشي إلى آسيا، حيث صوّر التبت ونهر الغانج، ووسّع اهتمامه ليشمل المدن الإسلامية المقدسة والطقوس الدينية التي تشكّل جزءاً أساسياً من حياة المجتمعات.
وبين عامي 1995 و2000، أتيحت له فرصة دخول مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث وثّق مواسم الحج والتجمعات الدينية الكبرى، في مرحلة مهمة من مسيرته الفوتوغرافية.
وأثمرت هذه التجربة كتابه الشهير «مكة المباركة، المدينة المنوّرة»، الذي انضم إلى مؤلفاته عن الصحراء والنيل والتبت، ضمن مشروعه الممتد لتوثيق المعتقدات والطقوس الدينية وعلاقتها بحياة الناس.
ولم تتوقف رحلاته عند العالم الإسلامي. فمنذ عام 2002، بدأ زيارة مرتفعات جبال الأنديز، حيث ركّز عدسته على التداخل بين المعتقدات الكاثوليكية والموروث الحضاري لحضارة الإنكا.
وبذلك امتدت أعماله من أفريقيا إلى آسيا وأميركا الجنوبية، متتبعةً أشكالاً مختلفة من التدين والتقاليد المحلية، في مجتمعات احتفظت بخصوصياتها الثقافية رغم التحولات التي شهدها العالم.

تقاليد تسبق العولمة
وفي تعليقه على فوزه بالجائزة التقديرية، أعرب نوماشي عن اعتزازه بالتكريم، قائلاً: «إنه لشرف عظيم لي أن أحصل على تقدير دولي مرموق من جائزة بحجم وقيمة هيبا».
وأوضح أن رحلاته إلى المناطق النائية كانت مدفوعة برغبته في فهم الثقافات والمعتقدات التي تناقلتها الشعوب عبر الأجيال.
وقال: «لقد سافرت إلى مناطق نائية من العالم سعياً لفهم المعتقدات والثقافات التي توارثتها الشعوب عبر الأجيال. قادتني رحلاتي عبر العالم الإسلامي والعديد من الأماكن الأخرى التي لا تزال فيها التقاليد الدينية المميزة تُشكّل حياة الناس».
وتوقف عند تأثير العولمة في المجتمعات التي وثّقها، معتبراً أنها جعلت الحياة أكثر سهولة وكفاءة، لكنها أحدثت في الوقت نفسه تحولات عميقة في الثقافات المحلية.
وأضاف أن الصور التي التقطها للتقاليد العرقية والمعتقدات المتنوعة، قبل تسارع التنميط الثقافي، تمثل بالنسبة إليه «كنزاً لا يُعوّض».
وأعرب عن امتنانه للجائزة على تقدير مسيرته الطويلة، التي خصصها لتسجيل مظاهر ثقافية ودينية شهد بعضها تغيرات واسعة مع مرور الزمن.

تقدير لمسيرة استثنائية
من جهته، قال الأمين العام لجائزة حمدان بن محمد الدولية للتصوير الضوئي، علي خليفة بن ثالث، إن اختيار الفائز بالجائزة التقديرية يأتي بعد دراسات وجهود يبذلها فريق الجائزة لتحديد الشخصية المستحقة لهذا المستوى من التكريم.
وأضاف أن نوماشي «قدّم إسهامات فوتوغرافية مهمة ومؤثرة تلامس القضايا ذات الأولوية للإنسانية والمجتمع»، معتبراً تجربته نموذجاً ملهماً لمسيرة مهنية تركت أثراً يتجاوز حدود التصوير الفني.
وأكد بن ثالث أن تكريم المبدعين بالجوائز الخاصة جزء من رسالة «هيبا»، المستلهمة من رؤية الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي، نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، راعي الجائزة، في دعم الفنون وتشجيع الإبداع الثقافي والمعرفي.

حضور وجوائز دولية
على امتداد مسيرته، نُشرت صور نوماشي في أنحاء مختلفة من العالم، وظهرت أعماله في مجلات دولية بارزة، من بينها «ناشيونال جيوغرافيك» و«جيو» و«شتيرن».
وحصد عدداً من الجوائز والتكريمات في اليابان وخارجها، أبرزها جائزة «دومون كين» للتصوير الفوتوغرافي، وميدالية الشرف بالوشاح الأرجواني التي منحته إياها الحكومة اليابانية تقديراً لإسهاماته الفنية.
وبين كتبه التي تجاوزت 15 مؤلفاً، ورحلاته التي امتدت عبر ثلاث قارات، احتفظ نوماشي بموضوعه الأساسي: الإنسان في علاقته بالطبيعة والمعتقدات والتقاليد. وهو المشروع الذي منحه مكانة متميزة في التصوير الوثائقي، وقاد اليوم إلى تكريمه بالجائزة التقديرية في الدورة الخامسة عشرة من «هيبا».
- اقرأ أيضاً: «مكة المباركة، المدينة المنوّرة»: كتاب صور عمره ثلاثون عاماً يوثّق حرمين لم يعودا كما كانا


