إيلاف من الرباط: دعا اتحاد كتاب المغرب الحكومة المقبلة إلى جعل الثقافة الوطنية إحدى الأولويات الاستراتيجية في السياسات العمومية، وإرساء حوار مؤسساتي مستمر مع الفاعلين الثقافيين، يفضي إلى بلورة تصور مشترك للعمل الثقافي، ويضمن استمرارية المشاريع والبرامج، بعيدا عن المبادرات الموسمية والمقاربات الظرفية.
وأكد الاتحاد، في «نداء إلى الحكومة المقبلة من أجل التزام حكومي واضح»، ضرورة ترجمة الاهتمام بالثقافة إلى التزامات عملية ضمن البرنامج والتصريح الحكوميين، مدعومة بخطط تنفيذية قابلة للتنزيل والتقييم، وبرامج طموحة تقوم على تحديد المسؤوليات وتعبئة الموارد وتنسيق جهود القطاعات المعنية، مع إرساء آليات منتظمة للتشاور مع المؤسسات والهيئات المهنية والمدنية.
وشدد النداء، الذي وقعه المكتب التنفيذي للاتحاد، على أن الثقافة ليست نتيجة مؤجلة للتنمية، بل أحد شروطها الأساسية، ومعيارا لقياس عمقها الإنساني والديمقراطي. كما دعا إلى إطلاق حوار وطني ديمقراطي واسع يفضي إلى إقرار تعاقد ثقافي وطني يضمن الحق في الثقافة والعدالة الثقافية للجميع، مع إسناد مسؤولية تدبير القطاع إلى الكفاءات المؤهلة على أساس الاستحقاق والخبرة، ومراعاة مقاربة النوع.
تجديد الالتزام بالثقافة
وأوضح الاتحاد أنه دأب، كلما تشكلت حكومة جديدة، على توجيه نداءات تدعو إلى تجديد الالتزام بالنهوض بالثقافة الوطنية، والارتقاء بها إلى مرتبة الأولويات الاستراتيجية، بالنظر إلى دورها في تنمية الوعي الفردي والجماعي، وتطوير الحس النقدي، وتوسيع آفاق المعرفة، وتعزيز المواطنة، ومواجهة مظاهر الانغلاق والتعصب، وصون قيم التعدد والاختلاف.
وأكد أن هذا النداء لا ينطلق من مطلب قطاعي ضيق، ولا يعتبر الثقافة شأنا خاصا بالمبدعين أو المؤسسات الثقافية، بل ينظر إليها باعتبارها قضية مجتمعية جامعة، ومدخلا أساسيا للتحديث الديمقراطي والتنمية المستدامة التي تجعل الإنسان والمعرفة والإبداع في صميم أولوياتها.
وفي هذا السياق، استحضر الاتحاد الأدوار التي يتيحها الدستور لمكونات المجتمع المدني في المشاركة في الحياة العامة، والإسهام في بلورة السياسات العمومية وتقييمها، وتعزيز الديمقراطية التشاركية. وأبرز أنه يواصل، بصفته إطارا مدنيا وفكريا مستقلا، أداء دوره في إغناء النقاش العمومي، وتقديم المقترحات، والتنبيه إلى الاختلالات، والتفاعل مع المؤسسات الحكومية والتشريعية والهيئات الدستورية والاستشارية المعنية.
واعتبر أن مشاركة الفاعلين الثقافيين في تدبير الشأن الثقافي ينبغي ألا تظل محصورة في الاستشارة الظرفية، بل يجب أن تتحول إلى ممارسة مؤسساتية تتيح لهم الإسهام في تحديد الأولويات، وصياغة البرامج، وتتبع تنفيذها وتقييم نتائجها، والاستفادة من خبراتهم وتراكماتهم.
الثقافة رصيد وطني متجدد
وأشار النداء إلى أن المغرب يتوفر على رصيد ثقافي وحضاري غني، تشكل عبر تاريخ طويل من التفاعل بين روافده المتعددة، وتنوع تعبيراته اللغوية والفكرية والإبداعية، وتراكم تجاربه الأدبية والفنية. وشدد على ضرورة التعامل مع هذا الرصيد باعتباره طاقة حية قابلة للتجدد والإنتاج، ومصدرا لتعزيز الثقة في الذات وترسيخ الهوية الوطنية في إطار الانفتاح على الثقافات الإنسانية واحترام التعدد والحوار.
ودعا الاتحاد إلى اعتماد سياسة ثقافية عمومية واضحة الأهداف والأولويات، تتجاوز المعالجة الموسمية والتدخلات المجزأة، وتستجيب للتحولات التي يعرفها المجتمع، ولا سيما تلك المرتبطة بالمعرفة الرقمية، وتطور وسائل التواصل، وتحولات صناعة الكتاب والنشر، وتغير أنماط القراءة والتلقي، فضلا عن ضرورة حماية الإبداع وضمان حرية التعبير وتكافؤ الفرص في الوصول إلى المعرفة.
كما طالب بإيلاء العناية اللازمة للكتاب والمبدعين والمثقفين، وصون كرامتهم الاعتبارية والمهنية والاجتماعية، وتطوير البنيات التحتية الثقافية، ودعم النشر والترجمة، وتشجيع القراءة، وتعزيز حضور المكتبات ودور الثقافة والمراكز الإبداعية، وتوسيع فرص المشاركة الثقافية، خصوصا أمام الأطفال والشباب وسكان المناطق البعيدة عن المراكز الحضرية والفئات التي تواجه صعوبات في الولوج إلى الخدمات الثقافية.
الاستثمار في الثقافة استثمار في الإنسان
وأكد الاتحاد الترابط الوثيق بين الثقافة والتعليم والتربية والتكوين والإعلام، معتبرا أن تحقيق الأهداف الاستراتيجية لهذه القطاعات يقتضي إدماج الثقافة في السياسات العمومية، وتعزيز حضور الكتاب والقراءة والفنون في المؤسسات التعليمية والفضاء العام، بما يسهم في بناء مواطن قادر على التفكير النقدي والمشاركة الواعية في الحياة العامة.
وأضاف أن الاستثمار في الثقافة هو أيضا استثمار في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بالنظر إلى ما تتيحه الصناعات الثقافية والإبداعية من فرص للشغل والابتكار، وإمكانات لتثمين التراث وتنشيط المجالات الترابية وتعزيز إشعاع المغرب إقليميا ودوليا. غير أن استثمار هذه الإمكانات يظل رهينا بتوفير بيئة حاضنة للإبداع، وإرساء منظومة دعم شفافة ومنصفة، وتطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني، مع ضمان استقلالية الفعل الثقافي وحرية المبدعين.
وجدد الاتحاد استعداده للإسهام، إلى جانب المؤسسات والهيئات المعنية، في تطوير السياسات الثقافية وتقديم المقترحات الكفيلة بالنهوض بها، مؤكدا أن المسؤولية عن الثقافة مشتركة، وتتطلب تضافر الجهود وتكامل المبادرات وإطلاق الطاقات الفكرية والإبداعية للمجتمع.
نحو تعاقد ثقافي وطني
وختم الاتحاد نداءه بالتعبير عن أمله في أن تحظى الثقافة داخل المؤسسة التشريعية وسائر المؤسسات الوطنية بالمكانة التي تليق بأدوارها في بناء الإنسان، وتوطيد الديمقراطية، وتعزيز التماسك المجتمعي، وتحقيق التنمية المستدامة.
وأكد أن الرهان الثقافي لا يتعلق بمطلب فئوي أو ظرفي، بل بمستقبل المغرب ونوعية المجتمع الذي يطمح إلى بنائه، وبقدرته على تحويل غنى رصيده الحضاري وتعدد تعبيراته الثقافية إلى قوة للإبداع والإشعاع. وخلص إلى أن النهوض بالثقافة الوطنية ليس خيارا ثانويا، بل شرط أساسي لبناء مغرب المعرفة والحرية والكرامة والانفتاح.


