: آخر تحديث
رأي

محمد الفيتوري.. حين خانت السياسة أحلام القصيدة

4
5
4

ليست مأساة الشاعر أن يموت غريبًا، بل أن يعيش عمره باحثًا عن وطن يتسع لأحلامه، ثم يكتشف أن الأوطان نفسها قد تضيق بالحرية التي تغنّى بها. وليست مفارقة المثقف أن يخطئ في تقدير الرجال، بل أن تتحول المبادئ التي رفعها في وجه الطغيان إلى أسئلة محرجة حين يقف على مقربة من سلطان آخر.

في هذه المنطقة الملتبسة بين عظمة الإبداع وهشاشة الاختيار الإنساني، تقف سيرة محمد مفتاح الفيتوري، شاعر أفريقيا والعروبة، وأحد أكثر الأصوات الشعرية العربية في القرن العشرين تميزًا وعمقًا وتناقضًا. رجل لم تكن حياته مجرد انتقال بين البلدان، بل رحلة طويلة بين هويات متداخلة، وسلطات متصارعة، وأحلام كبرى اصطدمت بصلابة التاريخ.

وُلد الفيتوري عام 1936 في الجنينة بغرب السودان، لأسرة امتدت جذورها إلى ليبيا، ونشأ في الإسكندرية، وتلقى تعليمًا دينيًا ارتبط بالأزهر. كان منذ طفولته ينتمي إلى أكثر من مكان، وكأن الجغرافيا أرادت أن تهيئه مبكرًا لفهم أن الهوية ليست دائمًا حدودًا مرسومة على الخرائط، وإنما ذاكرة تتوارثها الأرواح. ولعل هذه النشأة تفسر جانبًا من عبقريته، فقد أدرك أن الإنسان قد يحمل وطنًا في دمه، وآخر في لغته، وثالثًا في ذاكرته، دون أن يجد في أي منها إجابة كاملة عن سؤال الانتماء.

حين أصدر ديوانه "أغاني أفريقيا" عام 1955، لم يكن يقدم مجرد قصائد عن قارة مثقلة بالاستعمار والعبودية، بل كان يعلن تمردًا على الطريقة التي كُتب بها تاريخ الإنسان الأفريقي. لقد انتزع أفريقيا من موقع الضحية الصامتة، ومنحها صوتًا قادرًا على الغضب والحلم واستعادة الكرامة. كانت أفريقيا عنده أكثر من أرض، كانت استعارة للإنسان المسلوب، وللذاكرة التي حاول المنتصرون إعادة صياغتها، وللحقيقة التي لا تموت مهما تراكم فوقها غبار الهزائم.

وهنا تكمن إحدى أعظم إضافاته إلى الشعر العربي: أنه لم يجعل المأساة الأفريقية موضوعًا خارجيًا يتأمله الشاعر، بل جعلها جزءًا من تكوينه الداخلي. لم يكتب عن الجرح من خارجه، بل تكلم بلسان الذاكرة المجروحة نفسها.

غير أن الفيتوري لم يبقَ أسيرًا للقصيدة الثورية. ففي تجربته الصوفية، وخصوصًا في "معزوفة لدرويش متجول"، انتقل من سؤال تحرير الإنسان من المستعمر إلى سؤال أكثر تعقيدًا: كيف يتحرر الإنسان من نفسه؟ وهذا التحول ليس تناقضًا بالضرورة، بل اتساع في الرؤية. فالاستعمار يستطيع أن يسلب الإنسان أرضه، لكن الخوف والوهم والتعلق بالسلطة قد تسلبه استقلال روحه. ومن هنا تلتقي الثورة بالتصوف في عالم الفيتوري، كلاهما بحث عن الخلاص، وإن اختلف الطريق واللغة.

لكن التاريخ لم يترك الشاعر في محراب التأمل طويلًا. فقد دخل الفيتوري في صدام مع نظام جعفر النميري في السودان، وفقد جنسيته السودانية خلال سبعينيات القرن الماضي. وكانت المفارقة جارحة: الشاعر الذي منح أفريقيا وطنًا في اللغة وجد نفسه مهددًا بفقدان وطنه في الوثائق الرسمية.

وإذا كان المنفى عند بعض الشعراء تجربة جغرافية، فقد أصبح عند الفيتوري امتحانًا وجوديًا. فالإنسان الذي تُسحب منه جنسيته لا يفقد جواز سفر فحسب، بل يواجه سؤالًا قاسيًا: هل تستطيع السلطة أن تصادر الانتماء، أم أن الوطن أعمق من أن تختزله ورقة رسمية؟

ثم جاءت ليبيا، ومنحته جنسيتها، واحتضنته في مرحلة مهمة من حياته، وتولى مناصب دبلوماسية وثقافية مرتبطة بها. وهنا بدأت المفارقة التي سترافق قراءة إرثه السياسي. فالشاعر الذي واجه سلطة في السودان اقترب من سلطة معمر القذافي في ليبيا، وكتب في مدحه، كما عُرفت له قصائد أشادت بصدام حسين.

وليس السؤال هنا لماذا مدح الفيتوري حاكمًا، فالمديح السياسي ظاهرة قديمة في تاريخ الشعر العربي. السؤال الأعمق هو: ماذا يحدث للوعي الثوري حين يصبح الزعيم نفسه رمزًا للثورة؟ ومن الذي يملك عندئذ حق تحديد المسافة بين التحرر والاستبداد؟

لقد نشأ الفيتوري في عصر كانت فيه مفردات الثورة والوحدة والتحرر الوطني تتمتع بقوة رمزية هائلة. وكانت الأنظمة التي ترفع شعارات مقاومة الاستعمار قادرة على اجتذاب مثقفين رأوا فيها امتدادًا لأحلامهم التاريخية. لكن المعضلة أن مقاومة الهيمنة الخارجية لا تعني بالضرورة احترام الحرية الداخلية، وأن رفع راية التحرر لا يمنح صاحبها براءة مسبقة من ممارسة القمع.

وهذه ليست محاكمة للفيتوري بأثر رجعي، بل محاولة لفهم مأزق جيل كامل من المثقفين العرب الذين وجدوا أنفسهم بين عدو خارجي واضح وسلطة داخلية تتحدث بلغتهم وتستعير أحلامهم.

وقد يكون من الظلم اختزال علاقة الفيتوري بالقذافي في المنفعة وحدها، مثلما سيكون من السذاجة اعتبار تلك العلاقة دليلًا على انسجام كامل بين الشعر والسلطة. فالحماية والامتنان والانتماء الفكري والاقتناع السياسي قد تتداخل في التجربة الإنسانية، دون أن نملك دائمًا القدرة على فصل أحدها عن الآخر.

أما موقفه من العراق، فقد عكس جانبًا من انحيازه إلى الخطاب القومي ومواجهة إيران خلال الحرب العراقية الإيرانية. غير أن هذا الانحياز لا يكفي وحده لإثبات موقف محدد له من غزو الكويت عام 1990، وهو تمييز ضروري حين نقرأ التاريخ بعيدًا عن الأحكام المتعجلة.

ومن الإنصاف أيضًا ألا نختزل علاقته بالخليج العربي في علاقاته ببعض الزعماء، إذ لا تتوافر أدلة كافية على أنه تبنى عداء شاملًا لدول الخليج أو شعوبها.

لقد كان الفيتوري، في جوهر تجربته، ابن القرن العشرين العربي بكل ما حمله ذلك القرن من وعود عظيمة وانكسارات موجعة: الاستقلال الذي لم يحقق دائمًا الحرية، والثورة التي لم تضمن العدالة، والوحدة التي اصطدمت بالمصالح، والمثقف الذي اكتشف أن الكلمة تستطيع فضح السلطة، لكنها لا تحمي صاحبها دائمًا من سحرها.

وفي هذا السياق ينبغي أن نقرأ الفيتوري، لا باعتباره رمزًا معصومًا، ولا بوصفه شاعرًا سقطت قيمته حين اقترب من الحكام، وإنما باعتباره شاهدًا على التوتر الدائم بين المثال والواقع. فالقيمة الأدبية ليست شهادة حسن سلوك سياسي، كما أن الخطأ السياسي لا يمحو بالضرورة الأثر الجمالي والفكري. ومع ذلك، فإن الفصل بينهما لا يعني إعفاء المبدع من المسؤولية، لأن الكلمات التي تمنح الإنسان كرامته تستحق أن تُقاس بها المواقف التي يتخذها قائلها.

وفي الثالث والعشرين من نيسان (أبريل) عام 2015، رحل الفيتوري في المغرب، بعد حياة امتدت بين السودان ومصر وليبيا ومنافي الروح والجغرافيا. رحل وقد ترك إرثًا شعريًا يصعب تجاوزه، وسيرة سياسية تستحق أن تُقرأ دون تقديس أو تشفٍّ.

ولعل أكثر ما يميز الفيتوري أنه لم يكن شاعرًا ذا وجه واحد. ففي قصائده غضب الثائر، وتأمل المتصوف، وحنين المنفي، وكبرياء الأفريقي، وأحلام القومي العربي. وفي سيرته إنسان يبحث عن الاعتراف والحماية والانتماء، ويصيب أحيانًا ويخطئ أحيانًا أخرى.

إن عظمة الفيتوري لا تحتاج إلى إنكار تناقضاته، كما أن نقد تناقضاته لا يستدعي إنكار عظمته. وهنا أصل المسألة: ليس المطلوب من التاريخ أن يختار بين الشاعر والإنسان، وإنما أن يرى كليهما في صورته الحقيقية.

لقد انتصر الفيتوري في معركته الكبرى مع النسيان، فقد بقيت قصائده حية بعد رحيل الحكام الذين عاصرهم ومدح بعضهم. لكن بقاء الشعر لا يحسم كل الأسئلة الأخلاقية التي تثيرها حياة صاحبه.

وربما كانت تلك هي المفارقة الأكثر عمقًا في سيرته: أن الإنسان الذي جعل الحرية إحدى أعظم قضايا شعره ترك لنا، إلى جانب القصائد، سؤالًا لم يفقد راهنيته: هل تكفي الكلمات العظيمة لصناعة مثقف حر، أم أن الحرية الحقيقية تبدأ حين يملك صاحب الكلمة شجاعة مساءلة السلطة، حتى عندما تمنحه وطنًا وجواز سفر ومكانة وامتيازًا؟

لم يجب الفيتوري عن هذا السؤال إجابة واحدة قاطعة، بل ترك حياته وقصائده تتجادلان حوله. وهكذا يظل محمد الفيتوري شاعرًا لا ينبغي أن نقرأه لنطمئن إلى أحكامنا المسبقة، بل لنختبرها. فقد منح أفريقيا صوتًا، والعروبة وجدانًا، والمنفى معنى، وترك للأجيال درسًا يتجاوز سيرته الشخصية: قد يستطيع الشاعر أن يحرر اللغة من قيودها، لكن الامتحان الأصعب أن يحرر ضميره من سلطان الذين يتحدثون باسم الحرية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات