إيلاف من أصيلة: شكلت ندوة "طوني ماريني والمشهد التشكيلي المغربي"، النقدية التكريمية، التي نظمت أخيرا ضمن فعاليات موسم أصيلة الثقافي الدولي الـ 47 في دورته الخريفية، مناسبة للاحتفاء بتجربة الناقدة الفنية والكاتبة الإيطالية التي شكلت على مدى عقود أحد أبرز الجسور الثقافية بين إيطاليا والمغرب، ومقاربة مسار ثقافي متوسطي جمع بين الحس الفني والمعرفة، وبين الالتزام الإنساني والرؤية النقدية الحرة.

حاتم البطيوي امين عام مؤسسة منتدى أصيلة يقدم شهادة تكريم لطوني ماريني تسلمتها بالنيابة عنها ابنتيها موجة المليحي ونور شمس المليحي
وسعت الندوة إلى إعمال الفكر في تجربة ماريني باعتبارها رمزاً للحوار الثقافي بين الشمال والجنوب، وإعادة قراءة منجزها الفكري والنقدي من خلال مداخلات وشهادات استقرأت تفاصيل مشروعها النقدي والفني في ضوء علاقتها بالتحولات التي شهدها المشهد التشكيلي المغربي. كما استرجعت مساهمتها في "إرساء مدرسة أصيلة" في مجال الفنون التشكيلية؛ هي التي أشرفت، منذ انطلاق مواسم أصيلة الثقافية سنة 1978، على مرسم الأطفال، حيث تخرج على يديها فنانون كبار، كانوا يوماً ما أطفالاً يرسمون أولى لوحاتهم، قبل أن يكبروا سناً وتجربة وإبداعاً، وتكبر بهم أصيلة وتزدان بمسيرتهم الفنية.
وماريني شاعرة وكاتبة ومؤرخة فنية وعالمة أنثروبولوجيا وباحثة متخصصة في الفنون البصرية والفنون الشعبية والأدب في شمال إفريقيا. ولدت سنة 1941 في طوكيو؛ وكان والدها عالم إثنولوجيا ومصوراً وكاتباً معروفاً بشغفه بالثقافات الشرقية. عاشت في المغرب ما بين 1963 وعام 1986، وربطت علاقات مع عدد من رواد الفن التشكيلي المغربي، كما كان لها دور وإسهام في عدد من المنشورات والتجارب الفنية التي طبعت المشهد الثقافي المغربي المعاصر.
عائلة كبرى
قال شرف الدين ماجدولين، الأكاديمي والناقد والأستاذ بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان ومنسق الندوة، في مفتتح تقديمه لأشغالها، إن ماريني لم تكن مجرد فرد في عائلة كبرى، كما لم تكن مجرد فاعل داخل مشهد، وإنما كانت فنانة انتمت إلى جغرافية خارج جغرافيتها، وإلى معتقد خارج معتقدها، وإلى لغة ليست لغتها، كما انتمت إلى حقل رمزي لم يكن هو الذي نشأت عليه.

محمد الاشعري وزير الثقافة السابق يقدم شهادة تكريم لطوني ماريني تسلمتها بالنيابة عنها ابنتيها موجة المليحي ونور شمس المليحي
وشدد ماجدولين على أن ماريني كانت جزءاً مما يمكن أن نسميه لحظة تأسيس حداثية داخل المشهد التشكيلي المغربي؛ وهي لحظة كانت مجرد مغامرة، وكان الانتماء إليها محفوفاً بشتى المخاطر.
مربية ومعلمة
بدوره، أشار حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، إلى أن ماريني هي من شهود التأسيس لمنتدى أصيلة الثقافي، مثلما يمكن الزعم دون مبالغة أنها واكبت المشهد الفني المغربي منذ بداياته بطاقة من الحوار الحي والشفيف، بعيداً عن أشكال الهيمنة أو الوصاية الجمالية.

حاتم البطيوي
وقال البطيوي إن الرهان الأبدي لماريني كان منصباً على تعرية المشترك الإنساني الكامن في عمق الأعمال، ومن هذا المنطلق، مثلت كتاباتها نموذجاً فريداً للنقد الكاشف الناهض بأدوار الوساطة. ولم تقف حدود رؤيتها عند حدود التمحيص الجمالي فحسب، بل كانت كتاباتها صوتا حيا ومدافعا شجاعا عن الفنانين الجدد، وعن حضور المرأة في الساحة التشكيلية.
لقد انحازت ماريني في منجزها النقدي، يضيف البطيوي، لأطياف متباينة من الأسماء والأساليب والاختيارات الفنية، وأسهمت في انتشار رموز والتعريف بآخرين، جاسرة المسافة بين الوظيفة المعرفية للنقد وبعده الإنساني؛ إذ منذ زيارتها الأولى للمغرب في ستينيات القرن الماضي، استطاعت أن تنسج أواصر صداقات وثيقة مع مجتمع الفنانين والنقاد والمثقفين المغاربة، وفي غمرة نسج صلاتها مع محيطها، ما فتئت تتميز بقدرتها على الإصغاء، في الواقع كما في النصوص. فهي لم تنظر يوما إلى الفن المغربي من منظور المقارنة مع الجماليات الغربية، بل باعتباره كونا رمزيا مستقلا، في الآن نفسه الذي يشكل فيه جزءا من ذاكرة الفن الحديث والمعاصر عبر العالم.

جانب من جمهور الندوة
ورأى البطيوي في تكريم ماريني في أصيلة، تكريما لجزء من ذاكرة المدينة، فهي رعت لعدة سنوات مشغل الأطفال، واهتمت بمواهب اليافعين وتشجيعهم. واستحضر تجربته الشخصية، فقال: "كان العبد الضعيف من بينهم، فقد كان عمري 12 سنة حينما شاركت لأول مرة في رسم جدارية رفقة مجموعة من أطفال المدينة، باقتراح من أستاذتي في مادة الفنون التشكيلية إلينا اسينسيو، أطال الله في عمرها، كما شاركت في مرسم الأطفال الذي كانت تشرف عليه آنذاك السيدة طوني. لقد كانت السيدة ماريني مربية ومعلمة بسعة صدر كبير، وصبر كبير أيضا، منها نهلنا زملائي وأنا جوانب جديدة في عالم الفن التشكيلي، ومن خلالها احتككنا بفنانين مغاربة وعالميين كبار".
وأضاف البطيوي أن عددا كبيرا من أطفال هذه المرحلة سرعان ما باتوا اليوم من أركان التجربة التشكيلية في أصيلة والمغرب.وخلص إلى أن الاحتفاء بماريني هو احتفاء بصوت تأسيسي زاوج بين الالتزام الإنساني والرؤية النقدية الحرة ورمز حي للحوار الثقافي بين الشمال والجنوب، حتى نعيد قراءة ارثها الفكري والنقدي عبر مداخلات وشهادات حية يقدمها ثلة من الفنانين والنقاد والمثقفين القادمين من داخل الوطن وخارجه، وممن يشكلون جزءا من محيطها الفكري والفني والثقافي.
بناء المشترك
انطلق محمد الأشعري، الشاعر والروائي وعضو أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، من أول علاقة ربطت ماريني بالمغرب منذ زيارتها الأولى سنة 1963، مشيراً إلى لقائها في أحد مقاهي طنجة بالفنانين محمد أطاع الله ومحمد شبعة ومحمد المليحي؛ وهو لقاء عده الأشعري لحظة كاشفة عن أسئلة مرحلة كاملة، إذ دار خلاله نقاش حول وضعية الفن المعاصر في المغرب، تخللته انتقادات للبنية الثقافية والبيروقراطية الموروثة عن المرحلة الاستعمارية، وتطلع جيل من الفنانين والمثقفين إلى بناء مشروع فني وثقافي مغربي جديد.
وقال الأشعري إن أبرز ما يشدنا في العلاقة التي ربطت ماريني بالمغرب وتجربة فنانيه التشكيلية هو اعتمادها على فكرة "البناء المشترك"، مشيراً إلى أنها لم تتعامل مع الثقافة من موقع المراقب الخارجي، وإنما انخرطت في العمل الميداني والتجارب الجماعية، بعيداً عن الأحكام الجاهزة والتصورات الأيديولوجية المسبقة.

نور شمس المليحي
وشدد الأشعري على أن ماريني كانت تنصت بصبر لتجربة الآخر وبكثير من التعاطف والتضامن، مستنيرة بتجربة المفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي حول "ضيافة الآخر"، فعاشت تجربة الضيافة في المغرب بشغف متبصر جعلها مسكونة بروح المشاركة الميدانية.
وختم الأشعري شهادته بتوجيه تحية لماريني، ربط فيها بين شغف البدايات ومآلات المشهد التشكيلي المغربي، ومشيراً إلى أن الفنانين الثلاثة الذين جلست معهم أول مرة في مقهى طنجة رحلوا جميعاً تاركين لنا السؤال المعلق حول الخوف من الفن، في ظل عالم فرض تحولاته لإعادة النظر في مفاهيم الحداثة والمعرفة والوساطة الثقافية والسوق، معرباً عن الأسف لعدم نجاحنا حتى الآن في ربط الخيوط بين متخيل الماضي ومتخيل الحاضر واستعادة شغف البدايات وقلقها وتلك الروح التي كانت تؤمن بقدرتها على تغيير العالم.
وطن للفن
أشار محمد نور الدين أفاية، المفكر وعضو أكاديمية المملكة المغربية بالرباط، إلى أن مسار ماريني الفكري بدأ بالصداقة والمشاركة، ثم البحث فانتج الفكر. ورأى أن الصداقة مكنتها من اكتشاف المغرب وطناً للفن، فسعت إلى فهمه في مظاهره التاريخية المتنوعة ومواكبة صيرورته وتحولاته.

عبد الله الحريري يتحدث في الندوة وبجانبه محمد نور الدين افاية وسليمة العيساوي
واعتبر أفاية أن كتابات ماريني تمثل نصاً كثيفاً ومفتوحاً على أسئلة تاريخ الفن المغربي وتحولاته، والعلاقة المعقدة بين الإبداع والتراث والحداثة، متجاوزة التصورات الاستعمارية نحو قراءة أكثر استقلالاً.
وأشار أفاية إلى أن ماريني، وهي التي اعتراها وعي قلق بكونها أجنبية وغربية، حاولت تجاوز ذلك في إطار من ضبط النفس الفكري، لتجعل من نصوصها شهادة على آمال وإحباطات وإنجازات الفن التشكيلي المغربي، ووثيقة متكاملة تسائل تاريخ الفن وعلاقته بالتراث والمثاقفة والذاكرة.
صرامة التوثيق
سلط محمد رشدي، الأكاديمي والناقد الفني ومنظم المعارض، الضوء على الحضور المؤثر لماريني في المشهد التشكيلي المغربي منذ ستينيات القرن الماضي، ودورها في ترسيخ أسئلة الحداثة الفنية والنقد والتعامل مع التراث المحلي، موضحة أن حضورها بالمدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء شكل محطة أساسية، بالعمل إلى جانب بلكاهية والمليحي وشبعة.
وتوقف رشدي عند سؤال بناء حداثة فنية مغربية في ما بعد الاستعمار من دون قطيعة مع التاريخ، مشيراً إلى أن ماريني دافعت عن تصور لا يقوم على محاكاة النموذج الغربي بل ينطلق من المرجعيات الثقافية والمحلية، مع الانفتاح على التجارب العالمية وإيلاء اهتمام خاص بالفنون الشعبية والحرف التقليدية.
وخلص رشدي إلى أن منجز ماريني النقدي يتميز بالوضوح والدقة والصرامة في التوثيق، وانفتاحها المستمر على التجارب الجديدة.
كتابات صامتة
تحت عنوان "الكتابات الصامتة حسب طوني ماريني: اللغة والذاكرة والخيال"، قدم عبد الرحيم كمال، الكاتب والباحث والأستاذ بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، قراءة في المشروع الفكري والجمالي لماريني، متوقفاً عند ثلاثة مبادئ أساسية: رفض المركزية الإثنولوجية الغربية في النظر إلى الثقافات والفنون، واعتماد مسار نقدي انعكاسي يقود إلى "تغريب الذات" أو إعادة النظر في موقعها أمام الآخر، والكشف عن الميتافيزيقا الكامنة خلف التقنية للوصول إلى الدلالات العميقة للأشكال الفنية.

أحمد مجيدو وبنيونس عميروش
وتطرق كمال إلى اهتمام ماريني بأعمال كبار الفنانين المغاربة، من قبيل محمد شبعة ومحمد القاسمي ومحمد الشرقاوي ومحمد المليحي وفريد بلكاهية والجيلالي الغرباوي . كما تحدث عن "الذاكرة الأركيولوجية" بوصفها مخزوناً للخيالات، يتحرك عبر الطفرة والانقطاع لتصبح اللوحة إعادة كتابة دائمة للعالم، ليأتي الخيال امتداداً طبيعياً لهما كمجال لتفاعل الرموز والطبقات الثقافية غير المرئية.
علاج بالفن
استحضر الدكتور عبد الله زيوزيو، أحد أبرز الأطباء النفسيين في المغرب، أكثر من أربعة عقود من الصداقة والعمل المشترك مع ماريني، كاشفاً عن جانب ارتبط بالطب النفسي والعلاج بالفن وأنسنة المؤسسات الاستشفائية. وأشار إلى مقترحه السابق بنقل تجربة الفن إلى مستشفى الأمراض العقلية بمدينة برشيد (ضواحي الدار البيضاء)، وكيف انخرطت ماريني في المشروع بعمق، مؤكداً أنه لا يرى فيها مجرد ناقدة فنية، بل "أنثروبولوجيةللفن" جمعت بين العمل الميداني والتوثيق والبحث واهتماماتها بالتصوف والثقافة المغربية.
أستاذة وصديقة
تناولت سليمة العيساوي، منظمة المعارض بمتحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر، التجربة الفكرية والفنية لماريني من خلال روايتها "مقبرة الأبرياء"، فيما استحضر الفنان التشكيلي عبد الله الحريري ذكرياته مع ماريني، أستاذة وصديقة وناقدة في المدرسة الوطنية للفنون الجميلة، مشيداً بدورها في تأطير الطلاب والانفتاح على الثقافة البصرية المغربية والتراث وعلاقتها بمجلة "أنفاس"، مؤكداً أنها كانت شخصية متعددة الأبعاد تجمع بين الفن والنقد والبحث وبروح إنسانية عالية.
هوية وحداثة
اختار أحمد مجيدو، الأكاديمي والأستاذ بالمعهد الوطني للفنون الجميلة بتطوان، لمداخلته عنوان "طوني ماريني: عناية تاريخية"، منطلقاً من تجربة مدرسة الدار البيضاء ودور ماريني في بناء جسر معرفي بين مرحلتيها الحديثة والمعاصرة عبر كتاباتها التي جمعت بين التوثيق والتحليل، وطرح أسئلة الهوية والحداثة والتجريب الفني إلى جانب رواد الحركة التشكيلية.
رفيقة الفن
تحدث الناقد والفنان التشكيلي بنيونس عميروش، تحت عنوان "طوني ماريني رفيقة الفن وأسئلته"، عن دوافع ترجمة كتابها الصادر عن دار "الفنك"، مستحضراً اقتباساً من كتابها "الشاي الأخير في مراكش": "لم أستبعد أية فرضية معرفية جريئة لفهم المغرب. فإذا أردنا أن نفهم هذا الشغف، فذلك لأننا التقينا بأنفسنا هناك ذات يوم، وقد مد باراديغم عالمي يده إلينا. كما نعلم أيضا أن بلدا ذائع الصيت يعادل ألف بلد تمت زيارته".
بنت البلاد
قدمت موجة ماريني – المليحي، الكاتبة والمخرجة والمنتجة، شهادة مؤثرة استحضرت فيها جوانب من شخصية والدتها الإنسانية وعلاقتها الوجدانية بأصيلة وأهلها، مؤكدة أنها ووالدها المليحي لم يكونا أبوين فحسب بل دليلين. واستعادت ذكريات طفولتها بين كبار الكتاب والفنانين في أصيلة، وموقفها العفوي مع الروائي محمد شكري حين أخبرها أن لديها أمّاً استثنائية، إضافة إلى شهادة المفكر عبد الكبير الخطيبي: "طوني ماريني، امرأة من رأس وقلب".
وتوسعت موجة في الحديث عن حب والدتها العميق لأطفال أصيلة واعتزازها بالانتماء للمكان وناسه، حيث كانت ترد على من يعاملها كسائحة، قائلة بالدارجة المغربية: "أنا بنت البلاد".


