: آخر تحديث
قراءة أسلوبية نقدية في قصيدة "الرد المبين على العدوان الذي طال الحرمين الشريفين":

من الرمي إلى الفرار.. بلاغة قلب المصير في قصيدة حمزة الأنصاري

5
5
4

ليست القيمة الشعرية في قصيدة الشاعر حمزة بن عبدالله الأنصاري محصورة في موقفها الوطني أو في حرارة الانفعال الذي صاحب كتابتها، وإنما تتجلى في الطريقة التي استطاع بها الشاعر أن يعيد تشكيل واقعة العدوان داخل اللغة، وأن ينقلها من صورتها العسكرية إلى فضاء ديني وتاريخي ونفسي تتداخل فيه قدسية المكان مع هيبة الوطن، وتتحول فيه المفردات إلى أدوات مواجهة. فالقصيدة تبدأ بفعل (رمى) وتنتهي بمشهد (فرارًا)، وكأن المسافة بين الكلمتين تختصر رحلة المعتدي من وهم القدرة إلى حقيقة الانكسار. وهذه الحركة الدلالية ليست مجرد تعاقب للأحداث، وإنما تمثل البنية العميقة التي تنتظم القصيدة وتكشف عن رغبة الشاعر في أن تكون اللغة نفسها وسيلة لإسقاط صورة الخصم قبل أن يصل إلى خاتمته التي رسمها له النص.

يستهل الشاعر قصيدته بقوله (رمى نافخًا للكبر ثم تمادى)، وهي بداية تحمل كثافة أسلوبية تتجاوز المعنى المباشر للرمي إلى الكشف عن البنية النفسية للمعتدي. فالفعل (رمى) يضعنا مباشرة أمام حركة عدوانية من غير مقدمات وصفية أو استطرادات تمهيدية، ثم تأتي صورة (نافخًا للكبر) لتكشف عن ذات متضخمة تستمد شعورها بالقوة من تضخيم نفسها، وكأن الكبر مادة قابلة للنفخ والتمدد إلى أن تتجاوز حجمها الحقيقي. وهذه استعارة تكتسب أهميتها من المفارقة بين الضخامة الظاهرة والفراغ الداخلي الذي يستدعيه فعل النفخ في الذهن، ثم يأتي الفعل (تمادى) ليكشف عن استمرار الخطأ وتحوله من فعل عابر إلى سلوك قائم على الغرور وسوء التقدير، وبذلك يقدم الشاعر شخصية المعتدي من خلال أفعاله وصفاته النفسية في آن واحد.

ومن أكثر الظواهر الأسلوبية حضورًا في القصيدة تكرار الفعل (رمى) وما اتصل به من صيغ، فالشاعر يعيد هذا الفعل في مواضع متعددة وكأنه يريد تثبيت العدوان في ذاكرة المتلقي وإبقاء صورة المعتدي مرتبطة بالفعل الذي ارتكبه. غير أن التكرار لا يؤدي وظيفة صوتية وحدها، وإنما يصنع حركة سردية تتدرج من وقوع الاعتداء إلى تحديد أهدافه ثم الكشف عن عواقبه. ويمكن أن نقرأ هذا التكرار من زاوية أعمق بوصفه محاولة لحصر المعتدي داخل فعل واحد لا يستطيع الانفصال عنه مهما حاول تضخيم إنجازه. فالرامي في بداية القصيدة يبدو مالكًا لزمام المبادرة، بينما ينتهي البناء الشعري إلى انتزاع هذه المبادرة منه وتحويله إلى شخصية محاصرة بالخوف والهزيمة. وهذه المفارقة تمنح تكرار الفعل قوة تتجاوز مجرد الإلحاح اللفظي، وإن كان بعض مواضعه يحتمل مزيدًا من التنويع الذي يمنح كل عودة إليه إضافة تصويرية مختلفة.

وعندما ينتقل الشاعر إلى قوله (رمى سفهًا دار الرسول وصحبه)، ثم يستحضر (أم القرى والمسجدين)، فإنه لا يكتفي بتسمية المواقع التي تعرضت للعدوان، وإنما يعيد بناء المكان داخل الوجدان الجمعي. فالمدينة تصبح (دار الرسول) بما تحمله العبارة من ذاكرة نبوية وعاطفة دينية متوارثة، ومكة تصبح (أم القرى)، بما تختزنه التسمية من مركزية روحية وتاريخية، من موضع يُعرف باسمه وموقعه إلى رمز إيماني عظيم تسكن قداسته وجدان المسلمين، وتمتد دلالاته في أعماق تاريخهم وذاكرتهم الدينية إلى قيمة مقدسة تتصل بعقيدة المتلقي وذاكرته وهويته. وهذه العملية التي يمكن تسميتها أسلوبيًا بإعادة الترميز الدلالي للمكان تجعل الاعتداء في الوعي الشعري أكبر من مجرد استهداف أرض، لأن اللغة تنقل الحدث إلى مستوى المساس برمز ديني يجتمع المسلمون على تعظيمه، وبذلك يصبح اختيار الاسم نفسه جزءًا من الحجة التي يبني عليها الشاعر خطابه.

وتكشف الدراسة الأسلوبية عن مفارقة تصويرية تستحق الوقوف عندها طويلًا، فالشاعر يقدم بلاده في صورة (منارًا) ويستحضر في المقابل (جحر الفويسق) في سياق تصوير الخصم، وبين المنار والجحر مسافة تتجاوز المكان إلى القيمة والاتجاه. فالمنار يرتفع ليكون علامة يهتدي بها الناس ويرتبط في الذاكرة بالضياء والوضوح والامتداد، بينما يتجه الجحر إلى باطن الأرض ويستدعي الضيق والانكماش والتواري، وكأن الشاعر لا يواجه خصمه بالأوصاف المباشرة وحدها، وإنما يصنع اختلافًا مكانيًا بين صورة وطن يرتفع في المخيلة وصورة معتد ينكمش داخل مأواه. وهذه من الصور التي تكشف أن قوة التعبير قد تنشأ من العلاقة بين مفردتين متباعدتين في أبيات القصيدة لا من جمال كل مفردة منفردة، فالتقابل بين العلو والانخفاض والضياء والعتمة يضع المتلقي أمام حكم قيمي يتحقق بواسطة الصورة قبل أن تصرح به العبارة.

وتبلغ السخرية الأسلوبية درجة واضحة في قوله (يصيح بصوت المنتشي: نلت منهم)، ثم يعقبه بقوله (وما نال إلا خيبة وخسارًا)، إذ يصنع الشاعر مواجهة دقيقة بين خطاب الخصم عن نفسه وحقيقة النتيجة التي ينسبها إليه. فالفعل (نلت) يصدر أولًا في صورة ادعاء يحتفل صاحبه بالإنجاز، ثم يعود الجذر نفسه في (وما نال) ليهدم الادعاء من داخله. وهذه المقابلة بين الإثبات والنفي تحمل قيمة حجاجية مؤثرة، لأن الشاعر لم يبحث عن مفردة أخرى للرد، وإنما استعار لفظ الخصم نفسه وجعله أداة لإبطال دعواه. كما أن وصف الصوت بأنه (صوت المنتشي) ينقل الشعور بالغلبة من مجال الحقيقة إلى مجال الانفعال الذي قد يضلل صاحبه، وبذلك يصبح المعتدي في هذه الصورة أسيرًا لروايته عن انتصاره لا منتصرًا في الواقع الذي تصوغه القصيدة، وهي سخرية تنشأ من ترتيب العبارة وتجاور الألفاظ المتقابلة أكثر مما تنشأ من استعمال ألفاظ التهكم الصريحة.

ومن الناحية التركيبية، تتجلى قوة القصيدة في انتقالها من الجملة الخبرية التي تروي الفعل إلى الجملة الاستفهامية التي تحاكم الفاعل. ففي قوله (أغرّك حلم للولاة وصبرهم) يتجاوز الاستفهام طلب الإجابة إلى تفكيك التصور الذي بنى عليه المعتدي فعلته. فالحلم الذي ربما فهمه الخصم على أنه ضعف يعيد الشاعر تعريفه بوصفه قدرة على ضبط النفس واختيار الموقف، والصبر الذي قد يبدو في القراءة السطحية تأخرًا عن الرد يتحول داخل الخطاب إلى علامة على التمكن والثقة. وهذه المفارقة بين القوة المنضبطة والغرور المتعجل تمنح الاستفهام قيمة إقناعية، لأن الشاعر لا يكتفي بمدح الحلم والصبر، وإنما يكشف عن خطأ القراءة التي جعلت المعتدي يسيء فهمهما، وبذلك يصبح السؤال وسيلة لإعادة تفسير السلوك السياسي والأخلاقي قبل أن يكون أداة للوعيد.

ويزداد هذا البناء قوة مع التحول من الحديث عن المعتدي بضمير الغائب إلى مواجهته بضمير المخاطب في قوله (ألا أيها الموهوم جاءتك ضربة). فالقصيدة في بدايتها تعرض شخصية الخصم أمام المتلقي، ثم تتقدم نحوه لغويًا وكأن المسافة التي تفصل الشاعر عنه أخذت تتلاشى مع تصاعد الانفعال. ويؤدي النداء (ألا أيها الموهوم) وظيفتين متداخلتين، تتمثل الأولى في لفت الانتباه وإعلان المواجهة المباشرة، بينما تتمثل الثانية في إعادة تعريف الخصم من خلال صفة نفسية تنزع عنه صورة القوة وتجعله أسيرًا لأوهامه. والانتقال بين الضمائر ليس مجرد تنويع نحوي، وإنما يمثل حركة داخل العلاقة بين المتكلم والمخاطب، إذ يتبدل موقع المعتدي من شخصية يجري الحديث عنها إلى شخصية تتلقى السؤال والتوبيخ والتهديد. وهذه الظاهرة تكشف قدرة التحول الضميري على صناعة التوتر حتى من غير الحاجة إلى زيادة الأوصاف الانفعالية.

أما المستوى الصوتي فيمنح القصيدة طابعًا إنشاديًا يتناسب مع موضوع المواجهة. فالقافية القائمة على الراء وما يصاحبها من امتداد صوتي في كلمات مثل (جهارًا) و(خسارًا) و(منارًا) و(نارًا) و(فرارًا) تجعل خواتيم الأبيات ذات رنين متكرر يستقر في السمع ويعزز النبرة الخطابية. ولا تستمد هذه النهايات أثرها من طبيعة حرف الراء وحده، وإنما من اجتماعه مع المفردات التي اختارها الشاعر وما تحمله من أحكام وانفعالات. فلفظة (منارًا) تستدعي الرفعة والهداية، بينما تستدعي (خسارًا) الإخفاق، وتستدعي (فرارًا) الانسحاب والانكسار. وبالرغم من اتحاد الإيقاع في هذه النهايات، فإن المعاني تتحرك من قيمة إيجابية تتصل بالوطن إلى قيم سلبية تتصل بالمعتدي. وهذه العلاقة بين الثبات الصوتي والتحول الدلالي من الخصائص المهمة في القصيدة، غير أن استمرار الرنين نفسه قد يجعل الإيقاع متوقعًا في بعض المواضع ويقلل من عنصر المفاجأة إذا لم تصاحبه صورة جديدة أو انعطافة معنوية مؤثرة.

وتتسع البنية الدلالية للقصيدة باستدعاء (أبرهة الأحباش) وصورة (أبابيل)، إذ ينتقل الشاعر من الحادثة المعاصرة إلى الذاكرة الدينية التي ارتبطت بمحاولة الاعتداء على الكعبة وما تلاها من هلاك المعتدين في الرواية القرآنية. وهذا الاستدعاء لا يعمل بوصفه إضافة ثقافية للتزيين، وإنما يؤدي وظيفة حجاجية تؤسس للمقارنة بين موقفين يجمعهما، في رؤية الشاعر، الاعتداء على المقدس. وبذلك يستثمر النص قوة المرجع الديني ليجعل المصير الذي يرسمه للمعتدي محاطًا بإيحاء تاريخي يتجاوز زمن الواقعة. وتكمن أهمية هذا التناص في أنه يجعل القارئ يستحضر القصة القرآنية بكامل ما تحمله من دلالات الحماية والعقاب بمجرد حضور عدد محدود من الأسماء والإشارات، مع ضرورة التمييز النقدي بين التشابه الرمزي الذي تصنعه القصيدة وبين المطابقة التاريخية التي لا يثبتها مجرد الاستدعاء الشعري.

والأكثر عمقًا أن القصيدة تتحرك بين ثلاثة أزمنة متداخلة: زمن ماض تستحضره الإشارة إلى أبرهة وأصحاب الفيل، وزمن حاضر تتشكل فيه صورة العدوان والرد، وزمن مستقبل تتجه إليه لغة التحذير والوعيد. وهذا التداخل يمنح الخطاب سعة زمنية تجعله غير محصور في لحظة الحدث، كما يكشف عن استراتيجية يستمد فيها الشاعر تفسير الحاضر من التاريخ، ثم يمد هذا التفسير نحو المستقبل ليصنع تصورًا مسبقًا لمصير الخصم. ومن هذه الزاوية يصبح الزمن عنصرًا حجاجيًا لا مجرد إطار تقع داخله الأفعال، فالقصيدة تريد أن تقنع المتلقي بأن العدوان يحمل في ذاته أسباب انكساره، وأن ما وقع في الذاكرة الدينية يمكن أن يكون شاهدًا رمزيًا على ما ينتظره المعتدي في التصور الشعري.

ومع ذلك، فإن القراءة الأسلوبية الدقيقة لا تكتمل بالإشادة بمواطن القوة وحدها، لأن النص يكشف عن ميل واضح إلى التصريح بالموقف وإكثار الأوصاف التي تدين الخصم وتؤكد خسارته. وهذا الأسلوب يحقق درجة عالية من التعبئة الوجدانية ويمنح القصيدة وضوحًا في المقصد وسرعة في التأثير، لكنه لا يترك للمتلقي في جميع المواضع مساحة كافية لاكتشاف المعنى عبر الصورة والإيحاء. فثمة فرق بين أن يخبر الشاعر قارئه بأن خصمه خاسر وبين أن يبني مشهدًا يجعل القارئ يرى الخسارة ويسمع ارتباكها ويستنتجها بنفسه. ولذلك تبدو الصور القائمة على (نفخ الكبر) والتقابل بين (المنار) و(الجحر) والمفارقة بين (نلت) و(ما نال) أكثر كثافة فنية من المواطن التي تعتمد على التحقير المباشر، لأن هذه المواضع تمزج الفكرة بالصورة وتحقق التأثير من داخل البنية اللغوية نفسها.

وتكشف القصيدة كذلك عن غلبة المعجم التقويمي على الوصف الحسي التفصيلي، فالألفاظ التي تحكم على الخصم بالغرور والوهم والخسارة أكثر حضورًا وتأثيرًا من المشاهد التي ترسم تفاصيل الحركة واللون والصوت والمكان. وهذه سمة تنسجم مع طبيعة الشعر الوطني الحماسي الذي ينشغل بإعلان الموقف وترسيخ القيم المشتركة، لكنها تجعل الخطاب في بعض أجزائه أقرب إلى المحاججة الشعرية منه إلى التجربة التصويرية المفتوحة. وكان من الممكن أن يتسع الأثر الجمالي لو مُنحت بعض الصور فرصة أكبر للنمو داخل الأبيات بدلاً من الانتقال السريع من الحكم على المعتدي إلى الوعيد ثم العودة إلى تقرير خيبته، لأن الصورة التي تتطور أمام المتلقي تظل في الذاكرة مدة أطول من الوصف الذي يقدم معناه كاملًا منذ اللحظة الأولى.

وتبقى المفارقة الأسلوبية الأعمق في أن الشاعر يضع القوة الحقيقية في جانب الحلم والصبر، ويضع الضعف الحقيقي في جانب الضجيج والغرور. فالمعتدي يبدأ بالرمي والتمادي والصياح مدفوعًا بثقته المتضخمة، بينما يحضر الطرف المدافع في صورة متماسكة تجمع بين القيم الدينية والثبات الوطني والقدرة على الرد. وهذا التقابل لا يكتفي بتوزيع الصفات الحسنة والسيئة بين الطرفين، وإنما يعيد تعريف القوة نفسها. فالقوة في المنطق الذي تنتجه القصيدة ليست ارتفاع الصوت ولا المبادرة بالاعتداء، وإنما امتلاك القدرة مع ضبط استخدامها وعدم الانخداع بالمظاهر. ومن خلال هذا البناء يتحول الصبر من قيمة أخلاقية فردية إلى علامة سيادة وطنية، ويتحول الغرور من شعور نفسي إلى سبب من أسباب السقوط.

ولعل النتيجة النقدية التي تستحق أن تختتم بها هذه القراءة أن قصيدة حمزة الأنصاري نجحت بصورة أوضح في بلاغة المواجهة وقلب المصير وبناء المفارقة الحجاجية من نجاحها في توسيع التجربة التصويرية وتنويع مستويات الإيحاء. فقد امتلكت صوتًا واضحًا وموقفًا متماسكًا، واستثمرت القافية والتكرار والاستفهام والتناص الديني في بناء خطاب يريد أن يوقظ الوجدان ويثبت قيمة المكان ويهدم صورة المعتدي. غير أن فنيتها تبلغ ذروتها كلما تركت الصورة تؤدي ما تستطيع اللغة التقريرية قوله، وكلما انتقلت من تسمية الهزيمة إلى تجسيدها، ومن وصف الغرور إلى كشف تناقضه.

وأشد ما يثير التأمل في بنائها أن المعتدي يدخل القصيدة فاعلًا يحمل فعل (رمى)، ويخرج منها في صورة الهارب المرتبط بكلمة (فرارًا)، فكأن الشاعر لم يكتف بتغيير مصيره داخل الحكاية، وإنما غيّر موقعه داخل اللغة نفسها، ومنحه في البداية فعل المبادرة ثم سلبه في النهاية القدرة على البقاء. وهذه هي النقطة التي يتحول فيها الشعر من تعليق على الحدث إلى إعادة بناء رمزية لموازين القوة، وتصبح القصيدة قادرة على أن تقول بالكلمات ما تريد إثباته في الوجدان: ليس كل من بدأ بالفعل قادرًا على كتابة النهاية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات