: آخر تحديث
تقرير خاص: مائة يوم على الطريق الوعر

وصفة الزيدي تعيد رسم ملامح العراق

4
5
5

لم تكن المئة يوم الأولى من حكومة علي فالح الزيدي زمناً طويلاً في عمر الدولة العراقية، لكنها كانت كافية لرسم ملامح أولية لبلد يحاول أن يخرج من إدارة الأزمات إلى صناعة الخيارات.

محطات رئيسية تختصر الكثير من الحكاية: واشنطن، طهران، أنقرة، و«صولة الفجر».

في الأولى، جلس الزيدي إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض، حاملا تصورا لعلاقة جديدة عنوانها الاستثمار والشراكة بدلا من الوجود العسكري.

وفي الثانية، كانت طهران محطة لا تقل حساسية، حيث حمل الزيدي ملفا اقتصاديا–امنيا معقدا، في محاولة لإعادة ضبط العلاقة مع إيران على قاعدة «التوازن لا التبعية».

وفي الثالثة، ذهب إلى تركيا ليضع مع الرئيس رجب طيب أردوغان ملفات الأمن والمياه والطاقة و«طريق التنمية» على طاولة واحدة.

أما في بغداد، فاختار أن يبدأ معركة داخلية شديدة الحساسية ضد الفساد، أطلق عليها اسم «صولة الفجر»، لتتحول خلال أسابيع إلى أحد أبرز اختبارات الحكومة الجديدة.

الصورة، في مجملها، ليست صورة حكومة أنجزت كل شيء خلال مئة يوم؛ وإنما حكومة بدأت، مبكراً، في تغيير اتجاه البوصلة.

 

لقاء ترامب.. العراق يريد شراكة بلا جنود

لم تكن زيارة واشنطن مجرد محطة دبلوماسية في جدول رئيس الحكومة الجديد.

في المكتب البيضاوي، حمل الزيدي رسالة تبدو مختصرة لكنها شديدة الدلالة: العراق يريد علاقة مع الولايات المتحدة تقوم على الاقتصاد والاستثمار والشراكة، لا على الوجود العسكري الدائم.

وخلال لقاءاته في واشنطن، تحدث الزيدي عن مرحلة جديدة للعلاقات العراقية–الأمريكية، فيما كان الملف الأمني حاضراً بقوة في ظل الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.

وفي حديثه لمجلة The Atlantic، اختصر الزيدي رؤيته بجملة شديدة الوضوح: الوجود العسكري لا يصنع روابط دائمة بين المجتمعات، بينما يستطيع الانخراط الاقتصادي أن يفعل ذلك. كما تحدث عن شراكة استثمارية محتملة بين العراق والولايات المتحدة تمتد ثلاثين عاماً. 

الرسالة الأهم: العراق لا يريد أن يكون ساحة صراع بين واشنطن وطهران، بل يريد أن يتحول إلى نقطة التقاء.

 

زيارة طهران .. بين الجوار الثقيل وإعادة ضبط التوازن

قبل أن يصل الزيدي إلى أنقرة، كانت طهران محطته الثانية الأكثر حساسية.
زيارة لم تُقدَّم بوصفها تحولاً دراماتيكياً، بل بوصفها محاولة لإعادة ترتيب علاقة معقدة تراكمت فيها السياسة بالأمن، والاقتصاد والحدود والنفوذ.
في طهران، حمل الزيدي ملفاً واضحاً: العراق لا يريد أن يكون ساحة اشتباك، ولا ممراً حصرياً لأي محور إقليمي.
لكن خلف العناوين السياسية، كان هناك ملف أكثر هدوءاً وأشد أهمية: أمن الطاقة وصادرات النفط العراقية.
 

النفط العراقي بين الممرات الضيقة والبحث عن بدائل
يعتمد العراق بشكل كبير على تصدير نفطه عبر موانئ الخليج، خصوصاً ميناء البصرة وخور العمية، وهو ما يجعل أي توتر إقليمي في الخليج تهديداً مباشرا للاقتصاد العراقي.
في هذا السياق، ناقش الزيدي في طهران ومع أطراف إقليمية أخرى فكرة تنويع مسارات التصدير، عبر ثلاث مسارات رئيسية:
● إعادة تفعيل خط الأنابيب عبر تركيا باتجاه ميناء جيهان، بما يقلل الاعتماد على الخليج.
● توسيع الطاقة التخزينية في الموانئ الجنوبية لامتصاص أي اضطراب مفاجئ في الملاحة.
● فتح مسارات برية–بحرية بديلة عبر مشاريع الربط الإقليمي ضمن رؤية «طريق التنمية» الممتد نحو تركيا وأوروبا.
هذه المقاربة لا تعني فك الارتباط مع الخليج، لكنها تعني شيئاً أبسط وأكثر حساسية:
تحويل النفط العراقي من ورقة مكشوفة إلى مكسب على المدى البعيد عبر تنويع المخارج.
وفي خلفية هذه النقاشات، كان الهدف السياسي واضحاً:
تقليل قدرة أي طرف إقليمي على استخدام ملف الطاقة العراقي كأداة ضغط.
وهناك بكل تأكيد، طرح الزيدي ملف سلاح الفصائل العراقية الموالية لإيران، مع التشديد على حصر السلاح بيد الدولة، وضرورة دعم طهران لقرارات الحكومة العراقية، ووقف أيّ دعم للفصائل بما يبعد العراق عن تداعيات الصراعات الإقليمية.

 

بعد طهران، جاءت أنقرة

الزيدي وأردوغان.. من الجوار إلى «النهر الثالث»

زيارة حملت ملفات ثقيلة: الأمن، المياه، الطاقة، النقل، الاستثمار، وطريق التنمية.

لكن أهم ما خرج من الزيارة كان الانتقال من الحديث عن «طريق التنمية» إلى إعلان البدء في العمل على تنفيذه.

وخلال الزيارة، وقعت بغداد وأنقرة خمس اتفاقيات ومذكرات تفاهم شملت التعاون الأكاديمي والتعليمي، والشباب والرياضة، والملكية الصناعية، والنقل عبر السكك الحديدية والطرق البرية، إضافة إلى إطار لتطوير البنية التحتية للنقل داخل العراق مقابل الموارد الطبيعية.

الأهم كان إعلان الزيدي أن البلدين سيشرعان في تنفيذ مشروع طريق التنمية، واصفاً إياه بأنه يمكن أن يكون «النهر الثالث» للعراق وتركيا.

وهنا يظهر الخيط الذي يربط واشنطن بأنقرة وطهران: الزيدي يحاول أن يجعل الاقتصاد أداة للسياسة الخارجية، وليس مجرد نتيجة لها.


«صولة الفجر».. حين دخلت دولة الزيدي إلى المنطقة الخضراء

في الداخل، كانت المعركة أكثر صعوبة.
فالفساد في العراق ليس مجرد ملفات مالية؛ إنه شبكة مصالح تمتد إلى السياسة والإدارة والاقتصاد.

جاءت «صولة الفجر» لتضع الحكومة أمام اختبار مبكر: هل تستطيع الدولة أن تلاحق الفساد حين يصل إلى أصحاب النفوذ؟

العمليات طالت مسؤولين حاليين وسابقين، وبرلمانيين، وأسماء كبيرة في مؤسسات الدولة، بينما أكدت الحكومة أن الحملة مستمرة وأنه لا حصانة سياسية أمام القانون.

لكن القيمة السياسية للصولة كانت أعمق من الأرقام.

فالمعنى الأهم كان أن الدولة قررت أن تبدأ المواجهة من الأماكن التي اعتاد العراقيون أن يعتقدوا أنها محصنة.

ماذا قالت الصحافة عن الزيدي والعراق الجديد؟
في تقرير بعنوان «رجل العراق في المنتصف»، كتبت The Atlantic أن الزيدي يحاول إدارة معادلة دقيقة بين واشنطن وطهران، مع طرح رؤية تقوم على استبدال الوجود العسكري بالاستثمار، وربط الاستقرار الاقتصادي بإعادة تشكيل دور العراق الإقليمي. 

في المقابل، رأى مشاري الذايدي في الشرق الأوسط أن «صولة الفجر» تمثل أول اختبار جدي لنية الحكومة في تفكيك شبكات الفساد وإعادة بناء الدولة. 

المئة يوم التي غيّرت السؤال
لم يعد السؤال: ماذا يستطيع العراق أن يفعل وسط أزمات المنطقة؟

بل أصبح: كيف يمكن للعراق أن يوزع اعتماده الإقليمي بدل أن يتمركز في نقطة واحدة؟

من واشنطن إلى طهران، ومن أنقرة إلى بغداد، تبدو حكومة الزيدي وكأنها تحاول إعادة رسم خريطة التوازنات لا داخل العراق فقط، بل حوله أيضاً.

وهي مهمة لا تُنجز في يوم.

لكنها قد تبدأ فيها.

ليس عراقا جديدا بعد… لكنه عراق بدأ يبحث عن طريقة جديدة لمواجهة تحديات تعصف بالمنطقة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في أخبار