توقف الصحف عن الإصدار الورقي هو انتقال عالمي تاريخي من مرحلة إلى أخرى كما حدث في كثير من المجالات. تدخلت التقنية وحرمت كثيرين وأنا أحدهم متعة القراءة الورقية، لكن كان لا بد من التكيف لما أحدثته التقنية من متغيرات شملت كل شيء. أما الكتاب الورقي فمازال يقاوم ويحتفظ بعدد كبير من المتعلقين به.
العلاقة العاطفية مع الورق علاقة تاريخية عاش الإنسان معها في البيت والمدرسة والعمل. مدت جسور التواصل الإنساني والمهني بين الناس في حياتهم الخاصة وفي أعمالهم. حملت مشاعر الناس وآراءهم وأشعارهم وأخبارهم وذكرياتهم. يقول المتنبي:
الخيل والليل والبيداء تعرفني
والسيف والرمح والقرطاس والقلم
ويقول الشاعر محمد الحويباني:
ليت الورق يقرا وش اللي كتب فيه
وليت القلم يدري وش اللي جرا به
ويقول بدر بن عبدالمحسن:
قبل الورق وانتي ف بالي قصيدة
وبعد الورق ضيعت أنا كل الأشعار
الورق تاريخ متميز ومؤثر في صناعته وفي مراحل تطوره ودوره في تحقيق التواصل العالمي وفي التعليم والنشر الثقافي والنشاط الإعلامي وفي توثيق العقود والاتفاقيات. هل يستمر استخدام الورق في مجالات متعددة كما كان في السابق؟
اختفى الفاكس، البيجر، الآلة الكاتبة، أشرطة الفيديو، الكاسيت، الصف الحائطية، المسجل.. إلخ.
يضاف إلى ما سبق توجه كثير من الصحف والمجلات على مستوى العالم إلى إيقاف الطبعات الورقية والتحول إلى الإصدار الالكتروني كنتيجة طبيعية للتكيف مع مرحلة جديدة طالت كافة المجالات وليس الصحافة فقط.
الورق رفيق الإنسان منذ القدم، خدمه وأسعده ووفر له الأوقات الجميلة، كان معه في ميدان العلم والثقافة والسياسة والتجارة والعلاقات الاجتماعية، علاقة حب بين الطرفين رغم الإهانة التي يوجهها الإنسان للورق حين ينتقد بعض الاتفاقيات فيصفها بأنها مجرد حبر على ورق. هل هذا الوصف إهانة للورق أم يهين الإنسان نفسه؟ الحبر على الورق هو الوسيلة التي ساعدت الإنسان على تعلم القراءة والكتابة واكتساب المعرفة والثقافة وتنظيم أموره العملية وتوثيقها. هو وسيلة التواصل الإنساني بخط اليد قبل خط التقنية، رفيقنا في السفر، محفزنا على الكتابة والشعر والرسم. صديق مخلص للإنسان يرافقه في كل مكان.
الصحافة وإن ودعت الورق كوسيلة تظل قوية بمحتواها ومصداقيتها والقيام بدورها كسلطة رابعة.

