: آخر تحديث

حين تكتب النفس... قبل أن يكتب القلم

2
1
1

عبد الله سليمان الطليان

ليست الكتابة مجرد كلماتٍ يخطها قلم، ولا أفكارٍ تنتقل من عقل إلى ورق، بل هي انعكاسٌ لعالمٍ كاملٍ يختبئ داخل النفس الإنسانية. فقبل أن تُولد الجملة، تكون قد مرت عبر الإدراك، وتأثرت بالعاطفة، وراجعتها الذاكرة، ووجَّهتها التحيزات، وربما دفعتها الرغبة في إثبات الذات أو تحقيق مصلحة معينة. ولهذا فإن العامل النفسي هو أكثر العوامل تأثيرًا في صناعة النصوص، سواء كانت كتبًا، أو مقالات، أو مذكرات، أو شهادات تاريخية، أو حتى أحاديث يتداولها الناس في حياتهم اليومية.

ومن هنا فإن الحقيقة لا تنتقل من الواقع إلى الورق انتقالًا مباشرًا، بل تمر عبر النفس البشرية، فتكتسب شيئًا من خصائصها، وتخرج للقارئ بصورة قد تطابق الواقع، وقد تبتعد عنه بقدر ما تركته النفس من أثر فيها.

وتؤكد دراسات علم النفس المعرفي أن الإنسان لا يرى الواقع كما هو، وإنما كما يدركه هو. فالإدراك ليس تصويرًا فوتوغرافيًا للأحداث، بل عملية عقلية معقدة يختار فيها الدماغ ما يركز عليه، ويفسر ما يراه وفق خبراته السابقة وقناعاته وظروفه النفسية.

ولهذا قد يشهد أشخاص عدة الحدث نفسه، ثم يخرج كل واحد منهم برواية مختلفة، لا لأن الجميع يكذبون، وإنما لأن كل واحد منهم رأى جزءًا من الحقيقة من زاويته الخاصة.

ومن هنا تبدأ أولى مراحل تشكل النص؛ فالقلم لا يكتب الحدث، وإنما يكتب ما أدركه العقل من الحدث.

على أن العاطفة من أكثر القوى تأثيرًا في الكتابة. فالحب قد يدفع إلى المبالغة في الثناء، والكراهية قد تدفع إلى المبالغة في الذم، والخوف يضخم الأخطار، والحماس يصنع من الأحداث صورًا أكثر بريقًا مما هي عليه.

ولهذا جاء التوجيه القرآني ليحذر من سلطان الهوى على الحكم، فقال تعالى: فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَن تَعْدِلُوا [النساء: 135].

فالهوى لا يغير الحقيقة، ولكنه قد يغير طريقة رؤيتها ووصفها، فيتحول النص إلى انعكاس للمشاعر أكثر من كونه انعكاسًا للواقع.

وكان يُعتقد قديمًا أن الذاكرة تحفظ الأحداث كما وقعت، إلا أن علم النفس المعرفي الحديث، ولا سيما أبحاث العالمة إليزابيث لوفتوس، بينت أن الذاكرة البشرية ليست مخزنًا جامدًا، بل عملية مستمرة من إعادة البناء.

فالإنسان قد ينسى تفاصيل مهمة، أو يدمج أحداثًا متفرقة، أو يضيف إلى ذكرياته عناصر لم تقع أصلًا دون أن يشعر بذلك.

وهذا يفسر كيف يمكن لإنسان صادق أن يروي حدثًا بصورة تختلف عن الواقع، ليس لأنه تعمد الكذب، وإنما لأن ذاكرته أعادت تشكيل الحدث قبل أن تنقله.

ومن أهم ما كشفه علم النفس المعرفي أن الإنسان يميل إلى البحث عن المعلومات التي تؤيد قناعاته، ويتجاهل -دون قصد أحيانًا- ما يخالفها، وهي الظاهرة التي تناولها دانيال كانيمان وعاموس تفرسكي في أبحاثهما حول التحيزات المعرفية.

فالكاتب قد يمتلك عشرات الحقائق، لكنه يختار منها ما يخدم الفكرة التي يؤمن بها، فيخرج النص صحيحًا في جزئياته، لكنه غير مكتمل في صورته الكلية.

وهنا لا يكون التشويه بإضافة معلومات كاذبة، بل بانتقاء بعض الحقائق وإهمال غيرها.

ومن العوامل النفسية المؤثرة أيضًا رغبة الإنسان في إثبات ذاته. فقد يميل الكاتب إلى تضخيم دوره، أو المبالغة في إنجازاته، أو تصوير نفسه بصورة أكثر تأثيرًا مما كانت عليه في الواقع.

وهذا الدافع قد لا يكون كذبًا متعمدًا، بل حاجة نفسية إلى التقدير أو الاعتراف أو الشعور بالأهمية، فتتحول الكتابة -من حيث لا يشعر صاحبها- إلى وسيلة لإبراز الذات أكثر من كونها وسيلة لنقل الحقيقة.

وإذا كانت العوامل السابقة قد تؤثر في النص دون قصد، فإن المصلحة قد تجعل التشويه مقصودًا. فحين تصبح الغاية الدفاع عن فكرة، أو الانتصار لجماعة، أو تحقيق منفعة، قد يُعاد ترتيب الوقائع، أو حذف بعضها، أو تضخيم بعضها الآخر.

وهنا يفقد النص حياده، ويتحول من وصفٍ للواقع إلى محاولة لصناعة واقع ذهني جديد لدى القارئ.

لقد سبق الإسلام إلى ترسيخ مبدأ التثبت في نقل الأخبار، لأن الخبر ينتقل عبر البشر، والبشر بطبيعتهم ليسوا معصومين من الخطأ أو الوهم أو التأثر.

قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ [الحجرات: 6].

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع». رواه مسلم.وهذا التوجيه النبوي لا يقتصر على التحذير من اختلاق الكذب، بل يشمل أيضًا النقل غير المتثبت، لأن المعلومة قد تتغير وهي تنتقل من شخص إلى آخر، سواء بسبب النسيان، أو سوء الفهم، أو العاطفة، أو التحيز، أو غير ذلك من العوامل النفسية.كما قال عليه السلام: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة... وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور...» متفق عليه.

إن أخطر ما يواجه الحقيقة ليس الكذب الصريح وحده، بل النفس الإنسانية حين تظن أنها تنقل الواقع كما هو، بينما هي في الحقيقة تنقل الصورة التي تشكلت داخلها. فبين الحدث والقلم تقف منظومة كاملة من الإدراك، والعاطفة، والذاكرة، والتحيز، وحب الظهور، والمصلحة، وكلها تترك بصمتها على ما يُكتب.

ولهذا فإن القراءة الواعية لا تكتفي بالسؤال: ماذا كتب الكاتب؟ بل تطرح سؤالًا آخر لا يقل أهمية: كيف تشكل هذا النص داخل نفس صاحبه؟

ويختتم القرآن هذا المنهج بقوله تعالى: وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا [الإسراء: 36].

فالآية لا تحمل الإنسان مسؤولية ما يقول فحسب، بل تذكره أيضًا بمسؤوليته عن وسائل الإدراك التي تسبق القول: السمع، والبصر، والفؤاد. وكأنها ترسم منهجًا خالدًا في التعامل مع المعرفة؛ يبدأ بحسن الإدراك، ويمر بالتثبت، وينتهي بصدق الكلمة.

وهكذا يبقى القلم أداة، أما الكاتب الحقيقي فهو النفس. فإذا استقامت النفس، واقتربت من الإنصاف، وقاومت الهوى والتحيز، اقتربت الكتابة من الحقيقة. أما إذا استسلمت للأهواء والانفعالات والمصالح، فإن الحقيقة تتبدل قبل أن يصل الحبر إلى الورق.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد