هل ينبغي لكل خدمة أن يكونَ عمومُ المجتمع قادراً على التمتع بها؟ إن افتتح مستثمرون نادياً لليخت، هل يجب أن يكون سعر الماء فيه في مستوى المواطن العادي؟ وهل أندية الغولف - بما تتطلبه من عناية فائقة التكلفة - تُجرَِّم إن جعلت رسوم عضويتها حكراً على الأثرياء؟
الإجابة المنطقية لا. حتى لو افتتح مستثمرون مطعماً يقدم الفول والطعمية، واختاروا أن بيع الطبق بعشرة أضعاف ثمنه المعتاد فلا جناية عليهم، إلا لو كانوا تابعين لجهة نافذة تحتكر تلك السلعة الحيوية. الأماكن الاستثنائية ممارسة شائعة في العالم كله، وسعر خدماتها لا يقاس بتكلفتها المادية المباشرة، بل بحصريتها. والفرد العادي الذي ينتقد أسعار الخدمات في حيز خاص يتجاهل أنه شخصياً يتمتع بخدمات استثنائية بالمقارنة بغيره. ربما يستطيع تحمل تكلفة تذكرة سينما لا يطيقها غيره. وهناك يشتري عبوة من الذرة تباع بأضعاف ثمنها لو اشتراها من محل في حي شعبي مجاور.
من أين إذن تنبع خطابات الشكوى المتكررة من أسعار المناطق الفارهة، كتلك الحملات الموسمية في مصر ضد أسعار ما يعرف بـ«الساحل الشرير»، والمقصود به منطقة استثنائية في الساحل الشمالي؟
السبب الواضح هو الشعبوية، خطاب بعض الشخصيات العامة الذي يحمل رسالة أنا ابن الشعب وأنحاز إليه. بعض أصحاب هذا الخطاب من ذوي القدرة على ارتياد هذا الساحل، ثم إبلاغنا بمعاناتهم هناك. ولو صار في متناول الجميع لبحثوا عن مكان استثنائي جديد يذهبون إليه. وبعضهم في دائرة استثنائية أيضاً وإن كانت أقل درجة من محل الشكوى.
السبب الآخر إرث الاشتراكية المحمَّل بـ«الخطاب الاستحقاقي»، الذي يروّج أن كل بقعة في الأرض لا بد أن تكون متاحة للجميع. وربما يأتي بأمثلة من شواطئ عامة يراها في مناطق أخرى من العالم، متجاهلاً وجود النمط الاستثنائي من الشواطئ التي لا نراها إلا في صور نجوم السينما والمشاهير والأثرياء.
والخطاب الاستحقاقي عاجز عن رؤية بديهيات المِلكية الفردية: لو كنت أملك غرفة صغيرة فوق السطوح فهي ملكي الخاص وليست ملكاً عاماً. لو اتسعت قدرتي واشتريت مع تلك الغرفة مليون أخرى فهي ملكي. ولو اشتريت الأرض التي تحملها وأحطتها بسور صار من حقي اختيار من يدخلها. وهو المبدأ ذاته الذي تقوم عليه المنتجعات والمشاريع الاستثمارية.
الفئة الوحيدة التي من حقها الشكوى هي ملاك تلك المنطقة والمساهمون فيها. هؤلاء شعبها. وحَكَمهم العقد، وفيصلهم القانون.
ليس هذا دفاعاً عن تمايز طبقي، بل تأسيس لمناخ مشجع للاستثمار ومتفهم لطبيعته وقائم على العدالة التعاقدية. مواجهة كل مشروع استثماري بخطاب سلبي يقلل من احتمالاته. ومن النضج التعايش مع فكرة أنَّ هناك أناساً يملكون شراء تذكرة رحلة إلى القمر، وآخرين يستقلون قطار درجة ثالثة. المهم في دولة القانون أن يكون الجميع سواسية أمامه، وأن تكون الفرص مفتوحة دون امتيازات مفروضة من أعلى. العدالة تقتضي حماية الحقوق، لا تأميم الرفاهية، ولا إلغاء تفاوت الحظوظ والقدرات الفردية.

