لفتني عنوان كتاب (الخطاب السياسي: أقنعة السلطة) لباتريك شارودو قبل الدخول في تفاصيله، لأن العنوان وحده يفتح بابًا واسعًا للسؤال: لماذا تحتاج السلطة إلى أقنعة؟ وهل السياسي يقول ما يفكر فيه فعلًا أم يقول ما يراه مناسبًا للجمهور واللحظة والظرف والمصلحة؟ ثم ما الذي يجعل خطابًا سياسيًا يمر عابرًا بينما يبقى خطاب آخر في ذاكرة الناس سنوات طويلة، ويتحول بعض عباراته إلى جزء من الذاكرة الوطنية؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل الكتاب قريبًا من واقعنا، فالسياسة في جانب كبير منها كلام، لكنها ليست أي كلام، فالكلمة التي يقولها الإنسان في مجلس خاص تختلف تمامًا عن الكلمة التي يقولها رئيس دولة أمام شعبه، والجملة التي تبدو بسيطة في حديث عادي قد تتحول في الخطاب السياسي إلى رسالة للدولة والمواطن والخصم والحليف في الوقت نفسه، ولهذا لا يمكن فصل اللغة السياسية عن موقع قائلها ولا عن اللحظة التي قيلت فيها ولا عن الناس الذين يسمعونها.
باتريك شارودو يريد أن يأخذ القارئ خلف الكلمات، لا ليشرح له معنى المفردات، وإنما ليكشف له ماذا يريد المتحدث أن يصنع بهذه المفردات، فالسياسي عندما يتحدث عن المستقبل لا يقدم معلومات فحسب، وإنما يحاول أن يصنع الأمل، وعندما يتحدث عن أزمة لا يصف المشكلة فقط، وإنما يريد أن يحدد للناس كيف ينظرون إليها، وعندما يتحدث عن إنجاز فإنه لا يذكر حدثًا مضى وحسب، وإنما يبني من خلاله صورة عن قدرته وكفاءته وشرعية مشروعه، وبذلك تصبح اللغة جزءًا من العمل السياسي نفسه.
وهذا ما يجعل كلمة (الأقنعة) في عنوان الكتاب ذكية جدًا، فالمقصود بالقناع لا يمكن أن نفهمه دائمًا بمعنى الكذب أو الخداع، لأن الإنسان نفسه يظهر بصور مختلفة بحسب المواقف التي يعيشها، والسياسي بصورة أكبر يحتاج إلى أن يقدم نفسه أمام الجمهور بالصورة التي تناسب اللحظة، فقد يكون رجل الحزم في أزمة، ورجل المصالحة بعد خلاف، ورجل المستقبل أمام الشباب، ورجل الخبرة أمام المؤسسات، والقريب من الناس في مناسبة اجتماعية، وهذه الصور لا تأتي اعتباطًا، بل تصنعها الكلمات ونبرة الحديث وطريقة تقديم الأفكار والرموز التي يستدعيها المتحدث.
وقد أعادني هذا الكتاب إلى فكرة أراها مهمة في دراسة الخطاب السياسي، وهي أن الناس لا تقتنع بالفكرة وحدها، بل تنظر أيضًا إلى من يقولها، فربما تسمع الجملة نفسها من شخصين فتصدق أحدهما ولا تصدق الآخر، ليس لأن الكلمات تغيرت، وإنما لأن صورة المتحدث في ذهنك مختلفة، ولهذا يشتغل السياسي على صورته مثلما يشتغل على حجته، يريد أن يراه الناس صادقًا، قادرًا، قريبًا منهم، مدركًا لمشكلاتهم، جديرًا بالثقة، وهذه الصورة قد تكون في بعض اللحظات أقوى من عشرات الحجج.
والأمر نفسه ينطبق على العاطفة، فالخطاب السياسي لا يخاطب العقل وحده، لأن الإنسان لا يعيش بالعقل وحده، ولذلك نجد السياسي يستدعي الخوف إذا أراد التحذير من خطر، ويستدعي الأمل إذا أراد دفع المجتمع نحو مشروع جديد، ويستحضر التاريخ إذا أراد تقوية الشعور بالانتماء، ويتحدث عن الأبناء والمستقبل إذا أراد تقريب قضية كبيرة من الحياة اليومية للناس، فالخطاب الناجح يعرف الطريق إلى عقل المتلقي، لكنه يعرف أيضًا الطريق إلى وجدانه.
وأكثر ما يستحق التأمل في الكتاب هو العلاقة بين اللغة والسلطة، فالسلطة تستطيع أن تصدر قرارًا، لكنها تحتاج إلى اللغة لكي تشرح لماذا صدر القرار، وتستطيع الدولة أن تبدأ مشروعًا، لكنها تحتاج إلى خطاب يجعل المجتمع يفهم موقع هذا المشروع من مستقبله، ويستطيع المسؤول أن يمتلك صلاحيات واسعة بحكم منصبه، لكنه لا يستطيع أن يفرض الثقة بالطريقة نفسها، لأن الثقة لا تصدر بقرار إداري، وإنما تتكون مع الأيام من صدق الخطاب واتساقه مع الفعل.
ولهذا أرى أن الفرق كبير بين سلطة المنصب وسلطة الكلمة، فقد تمنح الأنظمة الإنسان منصبًا، لكنها لا تستطيع أن تمنحه مكانة في قلوب الناس، وقد يستطيع المسؤول أن يأمر موظفيه، لكنه لا يستطيع أن يأمر المجتمع بأن يثق به، فالمنصب يمنح صاحبه حق القرار، أما الخطاب المقنع فيمنحه شيئًا آخر أشد قيمة، وهو قبول الناس بأن هذا الشخص يعرف إلى أين يذهب ولماذا يذهب.
والقارئ للخطاب السياسي عليه ألا يكتفي بالسؤال: ماذا قال السياسي؟ بل عليه أن يسأل أيضًا: لماذا قال هذا الآن؟ ولماذا استخدم هذه الكلمة بدلًا من غيرها؟ ولماذا بدأ بهذه القضية وأخّر الأخرى؟ ومن يريد إقناعه؟ وما الصورة التي يريد أن تبقى عنه بعد انتهاء حديثه؟ وما المشاعر التي يريد تحريكها؟ وما الذي لم يقله أصلًا؟
هذه الأسئلة الصغيرة هي التي تنقل القراءة من الاستماع إلى الفهم، لأن بعض المعاني السياسية لا توجد داخل الكلمات مباشرة، وإنما توجد في اختيار الكلمات وترتيبها وتوقيتها، بل قد توجد في الصمت نفسه، فقد يكون تجاهل قضية ما موقفًا، وقد يكون تكرار كلمة بعينها مقصودًا، وقد تحمل عبارة قصيرة رسالة أكبر من ظاهرها، خاصة إذا عرفنا الظروف التي قيلت فيها.
كما أن الخطاب السياسي لم يعد اليوم ملكًا لصاحبه بعد أن ينطق به، وهذه مسألة أصبحت أكثر وضوحًا مع وسائل التواصل الاجتماعي، فقد يلقي السياسي خطابًا يمتد ساعة كاملة، ثم يخرج الجمهور منه بعشرين ثانية، وقد تتصدر جملة واحدة المشهد، وتختفي بقية الأفكار، ثم يبدأ الناس في تفسير تلك الجملة كلٌّ بحسب موقفه، ويأتي الإعلام ليضع لها عنوانًا، ويأتي الخصم ليمنحها معنى آخر، ويأتي المؤيد ليقرأها بطريقة مختلفة، وهكذا تبدأ للكلمة حياة جديدة لم يعد المتحدث قادرًا على التحكم فيها بالكامل.
لهذا فإن كتاب (الخطاب السياسي: أقنعة السلطة) ليس كتابًا عن السياسيين بقدر ما هو كتاب يعلمنا كيف نصغي إليهم، وهذه في رأيي قيمته الحقيقية، لأنه يدفع القارئ إلى عدم الوقوف أمام العبارة السياسية مأخوذًا بجمالها أو قوتها، بل يدعوه إلى النظر خلفها إلى مقصدها وسياقها وجمهورها والصورة التي تريد بناءها.
وأنا كمتخصص في البلاغة والنقد أجد في مثل هذا الكتاب مساحة قريبة جدًا من البلاغة العربية، فالبلاغة منذ زمن بعيد لم تكن زينة للألفاظ كما يتصور البعض، وإنما كانت بحثًا في قدرة الكلام على الوصول والتأثير والإقناع، والخطاب السياسي واحد من أكثر الخطابات حاجة إلى هذه القدرة، لأن السياسي لا يتحدث ليملأ وقتًا، وإنما يتحدث غالبًا لكي يحرك موقفًا، أو يطمئن جمهورًا، أو يدافع عن قرار، أو يبني صورة، أو يواجه خصمًا، أو يفتح نافذة على المستقبل.
وبعد قراءة أفكار هذا الكتاب يتغير شيء في طريقة استماعك للخطابات السياسية، لن تمر عليك الكلمات بسهولة كما كانت، وستتوقف عند اختيار المفردة، وطريقة تقديم الإنجاز، ووصف الخصم، واستدعاء الوطن والتاريخ والمستقبل، وستكتشف أن وراء كثير من الجمل عملًا اتصاليًا أكبر مما يبدو على السطح.
ربما لهذا اختار شارودو عبارة (أقنعة السلطة)، فالسياسة لها وجه نراه في القرارات والمؤسسات، ولها وجه آخر نسمعه في الكلمات، وبين الوجهين تتحرك البلاغة والحجة والصورة والعاطفة والمصلحة والشرعية، ويبقى المتلقي هو الطرف الذي ينبغي أن يمتلك وعيًا كافيًا حتى يفرّق بين خطاب يشرح الواقع، وخطاب يعيد تشكيله، وبين كلمة تريد أن تقنعه، وأخرى تريد أن تستميله.
فالسلطة تستطيع أن تحكم بالقانون، لكنها لا تستطيع أن تسكن وعي الناس إلا بالكلمة، وربما كانت أخطر سلطة في الخطاب السياسي هي تلك التي لا نشعر بأنها تمارس علينا سلطة أصلًا.


