: آخر تحديث

هرمز: من يجلس على طاولة صياغة نظام المضيق؟

3
3
2

في 18 آب (أغسطس) 2026، وبينما كانت مذكرة إسلام آباد تنقضي بانقضاء أجلها الستيني، صدر عن مسقط وطهران بيانٌ مشترك في فقراتٍ خمس. لم يُفتح المضيق، ولم تُرفع الألغام، ولم تعبر ناقلة. لكنّ البيان فعل شيئًا أبعد أثرًا من ذلك كلّه: أنشأ مجموعةَ عملٍ مشتركة بين الخارجيتين "للاتفاق على الإدارة المستقبلية للملاحة في مضيق هرمز، والخدمات التي ستُقدَّم، والكلفة المرتبطة بها". ثم أضاف، في جملةٍ تُقرأ سريعًا، أنّ الطرفين "اتفقا على إجراء مناقشات مع الدول الساحلية في المنطقة، وأيّ أطرافٍ أخرى ذات صلة".

هذه هي الجملة التي يقوم عليها هذا المقال. فنظامُ أهمّ ممرٍّ للطاقة في العالم يُكتب الآن — لا غدًا — على طاولةٍ فيها كرسيّان، والدولُ التي تمرّ منها طاقتُها، ومنها المملكة، مذكورةٌ في السطر الأخير بصفة من "يُناقَش معه".

نصٌّ لا يُكتب مرةً واحدة

قبل هذا البيان كان للمضيق خمسةُ نصوصٍ متنافسة، وقد قرأتُها كلَّها بأداةٍ واحدة أسأل بها كلَّ نصّ: ما معيارُه؟ من يفصل فيه — بأيّ جهةٍ وأيّ لفظ؟ وما الذي يُنفَّذ إن خُرق؟

النصّ الأول أقدمُها وأثبتُها: مخطّطُ فصل المرور الذي أقرّته المنظمة البحرية الدولية سنة 1968 — ممرّان بعرض ميلين بحريين، بينهما فاصلٌ ميلان، يقعان كلُّهما في المياه الإقليمية العُمانية، لأنّ اتفاق الجرف القاري بين إيران وعُمان وضع القنواتِ العميقة على الجانب العُماني. ستون سنةً والسفن تمرّ من هنا، وإيران — بلسان نائب وزير خارجيتها هذا الصيف — "لم تقل شيئًا".

النصّ الثاني هيئةُ مضيق الخليج التي أنشأتها طهران في 5 أيار (مايو): وكالةٌ حكومية تُصدر تصاريحَ عبورٍ بالتنسيق مع الحرس الثوري، وتُحصي المسار والرسم والتفتيش. وهو — بلغة الأداة — النصُّ الوحيد المكتمل الأعمدة: معيارٌ محصى، وجهةٌ تقرّر، وإنفاذٌ يقع على من لا يمتثل. ثلاثُ ناقلاتٍ محمّلة ضُربت في 7 تموز (يوليو) لأنّها سلكت الممرَّ العُماني، ثم "سدر" في 31 آب (أغسطس).

النصّ الثالث مذكرةُ إسلام آباد نفسُها، في بندها الخامس. وهو بندٌ يستحق أن يُقرأ بحرفه لا بروايته: تتعهّد إيران بأن "تتّخذ الترتيبات، باذلةً أقصى جهدها، للمرور الآمن للسفن التجارية بلا مقابل لستين يومًا فقط"، ثم "تُجري حوارًا مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة المستقبلية والخدمات البحرية في المضيق، بالتشاور مع الدول المطلّة الأخرى على الخليج". ثلاثةُ ألفاظٍ في بندٍ واحد، وكلٌّ منها بابٌ يُفلَت منه: "أقصى جهدها" التزامُ وسيلةٍ لا نتيجة، و"ستون يومًا فقط" معيارٌ بأجلٍ ينتهي إلى فراغ، و"بالتشاور" لا يُنشئ مقعدًا. وأمّا الإنفاذ فقد أحاله البندُ الرابع عشر إلى "قرارٍ ملزِم من مجلس الأمن" — أي إلى الفيتو الذي أسقط مشروعَ البحرين في 7 نيسان (أبريل) بصوتين.

النصّ الرابع مقترحُ عُمان الذي كشفت عنه رويترز في 28 تموز (يوليو)، "بدعم دول الخليج": إدارةٌ إقليمية على نمط الآلية التعاونية في مضيق ملقا — سلامةُ ملاحة وبيئةٌ وإنقاذ، ومساهماتٌ طوعية مقابل خدمات، ولا انفرادَ لأحد — ومسارٌ مناصفةً يدخل من مياه إيران ويخرج من مياه عُمان. رفضته طهران في يومٍ واحد: "لا فرصةَ له"، واتّهمت واشنطن والرياض بأنّهما "تضغطان على عُمان" لتمرير "خططٍ غير واقعية". وقدّمت مقترحها المضادّ: اتجاهٌ كاملٌ في مياهها، وجزءٌ من الاتجاه الآخر.

والنصّ الخامس هو البيانُ المشترك الذي بدأنا به.

ما الذي تغيّر بين النصّ الثالث والخامس؟

ضع البند الخامس من المذكرة إلى جوار بيان آب (أغسطس)، واقرأ موضعَ دول الخليج في كلٍّ منهما. في المذكرة: "بالتشاور مع الدول المطلّة الأخرى على الخليج" — أي جهةٌ مسمّاة بصفتها. وفي البيان المشترك: "مناقشات مع الدول الساحلية في المنطقة، وأيّ أطرافٍ أخرى ذات صلة" — أي طرفٌ ضمن قائمةٍ مفتوحة تتّسع لكلّ أحد. بين النصّين شهران، وانتقل الخليج من مستشارٍ مسمّى إلى واحدٍ من "أيّ أطراف". وفي البيان نفسه الجملةُ التي تقول أين يقع المقعدان الوحيدان: "كلُّ الترتيبات المتعلقة بالمضيق يجب أن تحترم كاملًا سيادةَ الدولتين الساحليتين وحقوقهما السيادية".

ليس في هذا اتّهامٌ لأحد. عُمانُ تفاوض بما تملك، وإيرانُ تكتب بما تملك، والقانونُ الدولي إلى جانب من يريد المضيق مفتوحًا: فاتفاقيةُ قانون البحار تجعل المرور العابر في المضائق الدولية حقًّا "لا يُعلَّق"، لا يُشترط له إذنٌ ولا رسمٌ على مجرّد المرور (المواد 37–44)، وغالبُ الفقه يعدّه عرفًا يُلزم من لم يصدّق على الاتفاقية — وإيران لم تصدّق. غير أنّ القانون لا يكتب النصوص، يكتبها من يملك أن يوقف المرور ومن يملك أن يعيده.

ما تقوله الأرقام حين لا يقول النصّ شيئًا

قبل الحرب كان يعبر المضيق نحو خمسٍ وثمانين سفينة في اليوم. بعد المذكرة صار المتوسط خمسًا وأربعين. بعد انهيارها في تموز (يوليو) ثلاثَ عشرة. في 30 آب (أغسطس) ستًّا. ومطالباتُ تأمين مخاطر الحرب تجاوزت ملياري دولار في 3 أيلول (سبتمبر). والشاهدُ الذي يقول أكثر من الأرقام كلّها: في 29 تموز (يوليو) خرجت ناقلةُ الغاز القطرية "العريش" من المضيق عبر ممرٍّ إيراني — أول عبورٍ قطري منذ ضُربت "الركيات" في الممرّ العُماني. فالسوق تمتثل للنصّ الذي له إنفاذ، وإن اعترضت العواصم عليه في المبدأ.

وهذا ما جرّبتُه في مقالي عن "سدر" قبل أيام: السفينةُ أُصيبت في المكان الوحيد الذي لا يغطّيه نصٌّ سعودي — فاتفاقيةُ مكة تحمي الإقليم والتحالفُ البحري يحمي بحارًا ثلاثة ليس هرمز فيها — فحكمت السوقُ في اثنتين وسبعين ساعة. واليوم يُكتب النصُّ الذي كان يجب أن يغطّيها، وليست الرياض على طاولته.

المفارقة التي تستحق الوقوف

المملكة كانت — مع باكستان وقطر وتركيا ومصر — من الوسطاء الذين أوصلوا مذكرة إسلام آباد إلى التوقيع. أي أنّها حضرت الغرفةَ التي كُتب فيها البندُ الخامس، ولم تكتب فيه مقعدَها. وهذه ليست ملاحظةً سعوديةً خاصة، بل قاعدةٌ تتكرّر في تاريخ النصوص الدولية أكثرَ ممّا يُظنّ: من يحضر بعد أن يُكتب الهيكلُ ينال في المعيار نصًّا يُتلى — "التشاور"، "الاحترام"، "حرية الملاحة" — ولا ينال في الجهة التي تقرّر مقعدًا. وقعت في عهد العصبة سنة 1919، ووقعت في ميثاق الأمم المتحدة سنة 1945 حين أضاف خمسون وفدًا مقاصدَ وديباجةً ولم يمسّوا من يقرّر، وتقع اليوم في مضيقٍ على بعد ثلاثمئة كيلومتر من الظهران.

بندٌ واحد — وثمنُه

لا يُطلب من الرياض أن ترفض البيان المشترك ولا مقترح ملقا، يُطلب أن تُحوّل "التشاور" إلى مقعد. وذلك بثلاثة أشياء تُكتب في صفحة:

الأول: أن يكون أيُّ ترتيبٍ لإدارة المضيق وثيقةً متعدّدةَ الأطراف بتوقيع الدول الساحلية الست على الخليج، لا حوارًا ثنائيًا تُبلَّغ الأطراف بنتيجته. وسندُه المادة 43 من اتفاقية البحار، وسابقتُه في ملقا حيث تجلس الدولُ الساحلية الثلاث والدولُ المستعمِلة معًا.

الثاني: جهةُ تكييفٍ مسمّاة بمهلة — لجنةٌ فنية دائمة تضمّ المنظمة البحرية والساحليين تُثبت خلال ثمانٍ وأربعين ساعة أنّ مرورًا عُطّل أو أنّ رسمًا فُرض "على المرور لا على خدمة". فيُغلق شقُّ اللفظ: تُستبدل بـ"أقصى جهدها" كلمةُ "تضمن"، ويُستبدل بـ"ستين يومًا" أجلٌ مفتوح لا يسقط بانقضاء مهلة.

الثالث: الإيداع — تسجيلُ الترتيب لدى الأمانة العامة وفق المادة 102 من الميثاق، ولدى المنظمة البحرية بوصفه تعديلًا لمخطّط 1968 لا نظامًا بديلًا عنه. فيصير ما يُخالفه خرقًا لنصٍّ مودَع، لا خلافًا على تفاهمٍ قُرئ على الصحفيين ووُسم "مسوّدة".

والثمن يُقال صراحةً لأنّ البند الذي لا ثمنَ له لا يُوقَّع: قبولُ إيران طرفًا في الصياغة لا خصمًا خارجها، والاستعدادُ لنقل جزءٍ من الممرّ الداخل جنوبًا إلى شريط المياه الدولية الذي يفصل المياه العُمانية عن الإيرانية — كما يقترح معهد واشنطن — مقابل إقرارٍ إيراني مكتوب بأنّ المرور العابر عرفٌ لا يُعلَّق. تنازلٌ في الخريطة مقابل مكسبٍ في النصّ.

قد يبدو هذا كثيرًا على مجموعةِ عملٍ لم تُدعَ إليها الرياض. لكنّ الطاولة التي يُكتب عليها نظامُ المضيق مفتوحةٌ لأسابيع لا لسنوات، ومن قرأ نصوص هذا القرن يعرف أنّ المقعد فيها لا يُنال بالنطاق ولا بالشرعية ولا بحجم ما يمرّ — يُنال بالحضور قبل أن يُكتب الهيكل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.