زرت معرض ليب (LEAP) هذا العام، وكنت أعرف قبل أن أصل أنني سأجد حدثًا تقنيًا ضخمًا، لكن المشهد على أرض الواقع كان لافتًا حتى لمن تابع نسخًا سابقة. كثافة الحضور، وضخامة الأجنحة، وتنوع الشركات السعودية والعالمية المشاركة، والتنظيم؛ كلها أعطتني شعورًا بأن الحدث نفسه أصبح يعكس حجمًا مختلفًا لما يحدث في قطاع التقنية في المملكة.
وسط الشاشات والروبوتات والحديث الذي لا يتوقف عن الذكاء الاصطناعي، كان من السهل أن تكون الدهشة مما نراه أمامنا. لكنني خرجت من LEAP وأنا أفكر في شيء آخر:
ربما أهم ما يحدث هنا ليس التقنية التي نراها، بل الاقتصاد الذي يتشكل خلفها.
الأرقام تفسر جزءًا من المشهد. فقد اختتمت النسخة الخامسة بإعلانات واستثمارات واتفاقيات قاربت 15 مليار دولار خلال أربعة أيام، شملت الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والتصنيع التقني ورأس المال الجريء وتطوير القدرات الوطنية.
لكن الرقم الذي أراه أكثر أهمية لفهم ما شاهدته في المعرض يوجد خارجه.
فالاقتصاد الرقمي السعودي وصل إلى نحو 139 مليار دولار بعد نمو بنحو 75% خلال ثماني سنوات، فيما ارتفعت مساهمته في الناتج المحلي إلى 16%، وفق ما ذكره وزير الاتصالات وتقنية المعلومات المهندس عبدالله السواحة. وهذه الأرقام تضع LEAP في سياقه الحقيقي: لم نعد نتحدث عن قطاع ننتظر أن يكبر في المستقبل، بل عن اقتصاد رقمي أصبح له وزن فعلي اليوم.
والأهم بالنسبة لي هو نوع الاستثمارات التي بدأت تتجمع حوله.
مايكروسوفت (Microsoft)، على سبيل المثال، أعلنت أن منطقتها السحابية Saudi Arabia East ستدخل الخدمة في نوفمبر 2026. وأشار أيمن الغامدي، رئيس مايكروسوفت العربية، إلى أن هذه البنية ستساعد المؤسسات السعودية على نقل الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجربة إلى العمليات اليومية، وتحويل الاستثمار فيه إلى قيمة اقتصادية قابلة للقياس.
وأعتقد أن عبارة «من التجربة إلى العمليات اليومية» تختصر تحولًا مهمًا.
فالقيمة الاقتصادية للتقنية لا تأتي من امتلاك أحدث الأدوات فقط، وإنما من قدرتها على رفع الإنتاجية، وتطوير الأعمال، وخلق منتجات وخدمات وشركات جديدة.
لكن LEAP كشف عن مستوى آخر من التحول أيضًا.
فقد افتتحت نوكيا (Nokia) أول مركز للبحث والتطوير لها في المملكة، يركز على تطوير برمجيات أتمتة الشبكات المدعومة بالذكاء الاصطناعي. والأهم أن الشركة أوضحت أن الابتكارات التي سيطورها المركز تستهدف عملاء داخل السعودية وحول العالم.
وهنا بالنسبة لي تكمن دلالة اقتصادية مهمة.
هناك فرق بين أن تأتي شركة عالمية إلى السعودية لتبيع التقنية، وأن تأتي لكي تطور من السعودية تقنية تصل إلى العالم.
وهذا الفرق ظهر بصورة أخرى في إعلان هيوليت باكارد إنتربرايز (HPE) بالتعاون مع إنتل (Intel)، ضمن مبادرة حملت اسمًا لافتًا: Saudi Made, Developed, Deployed، أو «صُنع وطُوّر وطُبّق في السعودية».
المبادرة تتجاوز تصنيع الأجهزة محليًا إلى إنشاء مركز للابتكار في الرياض وربط البنية التقنية بشركات سعودية تعمل في البرمجيات والذكاء الاصطناعي، من بينها مزن (MOZN)، وشاهين للذكاء الاصطناعي (ShaheenAI)، وأومني أوبس (OmniOps).
وفي الجانب الصناعي من المنظومة، أعلنت الفنار استثمار 150 مليون دولار لتصنيع مكونات مراكز البيانات داخل المملكة.
قد يبدو تصنيع مكونات مراكز البيانات أقل إثارة من الحديث عن أحدث نماذج الذكاء الاصطناعي، لكنه يكشف جانبًا اقتصاديًا مهمًا؛ فكل توسع تقني يخلق حوله طلبًا على صناعات وخدمات وموردين جدد. وكلما استطاعت الشركات المحلية الدخول في هذه الأنشطة، اتسعت الآثار الاقتصادية للتقنية إلى قطاعات أخرى.
وعند هذه النقطة يصبح حديث الوزير عبدالله السواحة عن طموح المملكة نحو قيادة عصر الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحًا.
فالمنظومة التي تحدث عنها تمتد من الطاقة والاتصال وأشباه الموصلات إلى مراكز البيانات والحوسبة، والسحابة، والنماذج، والتطبيقات. وما يبدو أمامنا مجموعة من القطاعات التقنية المنفصلة، هو في الحقيقة أجزاء مترابطة من اقتصاد جديد يجري بناؤه.
وهذا تحديدًا ما جعلني أقرأ إعلانات LEAP بطريقة مختلفة.
مايكروسوفت تبني البنية السحابية، ونوكيا تنقل جزءًا من البحث والتطوير إلى الرياض، وHPE وإنتل تربطان التصنيع بالتطوير وشركات البرمجيات السعودية، والفنار تدخل في تصنيع مكونات البنية التحتية التي يحتاجها هذا النمو.
كل إعلان منها يروي قصة مختلفة، لكن اجتماعها في مكان واحد يكشف الاتجاه.
ويبقى العنصر الأصعب والأكثر أهمية: الإنسان.
فمراكز البيانات يمكن بناؤها، والخوادم يمكن تصنيعها، وأحدث التقنيات يمكن استقطابها، لكن تحويلها إلى قيمة مستدامة يحتاج إلى مهندسين ومطورين وباحثين ورواد أعمال. ولهذا لم تكن مبادرات التدريب والتأهيل التي أُعلنت في LEAP تفصيلًا جانبيًا؛ بعضها يستهدف مئات الآلاف، وبعضها يصل إلى مليون مستفيد في مجالات الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية.
وهذا ربما أحد أهم الفروق بين بناء سوق للتقنية وبناء صناعة تقنية.
السوق يستطيع شراء المنتج واستخدامه، أما الصناعة فتحتاج إلى المعرفة والبحث والتطوير والموردين والشركات والمواهب القادرة على إنتاج جزء متزايد من هذه القيمة محليًا والمنافسة بها خارجيًا.
ولهذا أرى أن نجاح LEAP لا يقتصر على حجمه كحدث عالمي. فالحدث أصبح مكانًا يلتقي فيه رأس المال بالشركات والمواهب والتقنيات والأسواق، وهو ما وصفه فيصل الخميسي، رئيس مجلس إدارة الاتحاد السعودي للأمن السيبراني والبرمجة والدرونز والرئيس المشترك لمجلس إدارة تحالف، بأنه منصة أعمال عالمية تجمع الشركات والمستثمرين والعملاء وصناع التقنية في مكان واحد.
وهنا عدت إلى الانطباع الذي خرجت به من زيارتي.
في البداية كانت الدهشة من حجم المعرض والحضور والشركات. لكن عندما وضعت ما شاهدته بجانب ما أُعلن خلال أيام LEAP، بدت الصورة أكبر من معرض تقني ناجح.
اقتصاد رقمي وصل إلى 139 مليار دولار، وبنية تقنية تتوسع، وبحث وتطوير ينتقل إلى المملكة، وتصنيع محلي يدخل قطاعات جديدة، وشركات سعودية تعمل إلى جانب شركات التقنية العالمية، ومواهب يجري إعدادها للمرحلة المقبلة.
عندما تجتمع هذه القطع، تبدأ ملامح الصناعة في الظهور.
وهذا ربما هو التحول الذي يستحق أن نتوقف عنده اليوم: المملكة لا تعمل فقط على أن تكون واحدة من أكبر أسواق التقنية في المنطقة، بل على أن يكون لها نصيب أكبر في صناعتها وتطويرها والقيمة الاقتصادية الناتجة عنها.
ذهبت إلى LEAP وأنا أتوقع أن أرى مستقبل التقنية.
وخرجت وأنا أرى ملامح صناعة سعودية جديدة تتشكل.

