: آخر تحديث
المختبر السياسي

العدوى السياسية: حين يقلد الخصوم أسوأ ما في خصومهم

4
3
2

ليست العدوى السياسية أن تنتقل الأفكار من حزب إلى آخر، أو أن تتقاطع البرامج بين السلطة والمعارضة، فذلك جزء طبيعي من تطور العمل السياسي، أما العدوى الحقيقية فتبدأ عندما تنتقل الممارسات المنحرفة من خصم إلى خصمه، حتى يصبح الجميع، من حيث لا يشعرون، نسخةً من بعضهم بعضًا. ولعل أخطر لحظة في حياة أي نظام سياسي ليست يوم ينتصر الفساد، بل يوم يقرر خصومه أن يواجهوه بأدواته نفسها، عندها لا ينتصر طرف على آخر، وإنما ينتصر المرض على الجميع. فالكذب يولد كذبًا مضادًا، والتشهير يستدعي تشهيرًا، والتسقيط يبرر تسقيطًا، والشعبوية تلد شعبوية أشد منها، حتى يغدو الانحراف اللغة المشتركة بين المتنافسين، ويصبح الاختلاف بينهم في الدرجة لا في المبدأ.

وهكذا، لا تنتقل العدوى من السلطة إلى المعارضة فقط، بل في الاتجاهين معًا، فالسلطة قد تتعلم من المعارضة خطاب الإثارة، والمعارضة قد تتعلم من السلطة تبرير الأخطاء، ويجد الإعلام نفسه منجرفًا وراء منطق السباق لا منطق الحقيقة، بينما تتحول منصات التواصل إلى البيئة المثالية لتكاثر الفيروس السياسي، حيث تنتشر الشائعة أسرع من التصحيح، والغضب أسرع من التفكير.

إن أخطر ما في العدوى السياسية أنها لا تحتاج إلى اقتناع، بل إلى تكرار، فما يُستنكر اليوم قد يصبح غدًا مألوفًا، وما يُرفض أخلاقيًا قد يتحول مع الزمن إلى قاعدة غير مكتوبة، فقط لأن الجميع بات يمارسه. ومن هنا تبدأ المناعة المجتمعية بالتآكل، فحين يرى المواطن جميع الأطراف تستخدم اللغة نفسها، والأساليب نفسها، والمبالغات نفسها، يفقد ثقته بالجميع. وعندما تتساوى الحقيقة والافتراء في نظر الناس، لا تكون الضحية حزبًا أو حكومة، بل تكون الضحية هي السياسة نفسها. ولذلك فإن أخطر أشكال العدوى ليست انتقال الخطأ، بل انتقال تبريره. فالخطأ المعترف به يظل استثناءً، أما الخطأ الذي يجد من يدافع عنه، فإنه يتحول إلى ثقافة، ثم إلى سلوك، ثم إلى إرث تتناقله الأجيال السياسية.

وبعد أن تستفحل الأمراض داخل جسد الدولة، من الأورام السياسية إلى النزيف، فالجلطة والشلل، ثم الزهايمر والسرطان السياسي، يصبح انتقال المرض إلى الآخرين أمرًا طبيعيًا. فالأمراض السياسية، كما في الطب، لا تبقى حبيسة الجسد المصاب، بل تبحث عن بيئة جديدة تنتقل إليها، وهكذا تصبح الممارسات المنحرفة أكثر قدرة على الانتشار من القيم السليمة، لأن تقليد الخطأ أسهل من بناء النموذج الصحيح. فالسرطان السياسي لا يكتفي بإضعاف الجسد، أما العدوى السياسية فتجعل الجسد المصاب مصدرًا لإصابة غيره، سواء داخل مؤسسات الدولة، أو بين القوى السياسية، أو حتى بين الدول التي تتبادل أساليب الهيمنة والإقصاء والفساد.

إن المجتمعات لا تسقط لأن فيها فاسدين، فهذه حقيقة صاحبت كل الحضارات، لكنها تبدأ بالتآكل عندما يفقد الشرفاء ثقتهم بقدرة القيم على الانتصار، فيقررون خوض المعركة بالأدوات نفسها التي صنعها خصومهم. فالدولة لا تنهار يوم ينتصر الفاسد، بل يوم يتحول الفساد إلى سلوك قابل للانتقال والتقليد، وعندها لا يبقى السؤال:

كيف نمنع العدوى؟

بل كيف نبني مناعة سياسية قادرة على مقاومتها، قبل أن يصبح المرض جزءًا من طبيعة الدولة والمجتمع؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.