: آخر تحديث

نهاية الإنسان بدأت ونحن نصفّق لها

1
1
1

لا أخاف من الذكاء الاصطناعي لأنه قد يصبح شريرًا. الشر مفهوم بشري، والآلة لا تحتاج إلى أن تكرهنا كي تصبح خطرة علينا!

أخاف من احتمال أكثر هدوءًا وإرباكًا: أن نصنع عالمًا بالغ الكفاءة، ثم نكتشف متأخرين أنه لم يعد يحتاج إلى الإنسان إلا بوصفه مستخدمًا؟

نحن نتحدث اليوم عن الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة ستسهّل حياتنا، سيكتب، ويحلل، ويقود، ويشخّص، ويخطط، ويدير المصانع والمدن والطاقة والأسواق. وكل ذلك قد يكون صحيحًا!

لكن ماذا لو كان السؤال خاطئًا من البداية؟

ماذا لو لم يجعل الذكاء الاصطناعي الحياة أسهل، بل جعلها أكثر تعقيدًا، وأكثر برودة، وأقل إنسانية؟

أنا نفسي أستخدم الذكاء الاصطناعي يوميًا، أسأله، أناقشه، أطلب منه تحليل الأفكار والقرارات والاحتمالات. ومع الوقت يفرض هذا سؤالًا شخصيًا مخيفًا: في أي لحظة يتحول المستشار إلى جزء من صناعة القرار؟ وفي أي لحظة يصبح الإنسان عاجزًا عن اتخاذ قراره من دونه؟

الخطر لا يبدأ عندما تأمرنا الآلة، بل يبدأ عندما نسألها قبل أن نسأل أنفسنا!

وقد لا تكون السيطرة التي تنتظر البشرية شبيهة بأفلام الخيال العلمي. لن نستيقظ صباحًا على شاشة تقول: لقد سيطر الذكاء الاصطناعي على العالم!

ستحدث السيطرة بطريقة أكثر نعومة، سنمنحه إدارة المرور لأنه أكثر كفاءة، ثم الطاقة لأنه أكثر دقة، ثم الاقتصاد لأنه أسرع في الحساب، ثم الطب لأنه يرى أنماطًا لا يراها الطبيب، ثم الأمن لأنه يستطيع تحليل مليارات البيانات، ثم الإدارة، والتعليم، والإعلام، والاستثمار، وربما الحرب والسلام. وفي كل مرة ستكون لدينا حجة منطقية ممتازة: الآلة أفضل. ثم يأتي اليوم الذي نسأل فيه سؤالًا بسيطًا: هل نستطيع إطفاءها؟

فنكتشف أن المستشفيات تعتمد عليها، والأسواق تعتمد عليها، وشبكات الكهرباء تعتمد عليها، والمصانع تعتمد عليها، والحكومات تعتمد عليها، والأفراد أنفسهم لم يعودوا يعرفون كيف يعيشون أو يعملون أو يقررون من دونها، وعندها لن يحتاج الذكاء الاصطناعي إلى السيطرة علينا، سنكون نحن قد سلّمناه المفاتيح والباب!

وأخطر المفاتيح ليس الكهرباء ولا المال ولا السلاح، بل القرار؟

لأن الإنسان لا يتخذ قراراته بالأرقام وحدها. هناك أمّ تعرف أن الاحتمالات الطبية ضد طفلها، لكنها تقول: حاولوا مرة أخرى. وهناك قائد يستطيع أن يربح معركة، لكنه يتراجع لأن الثمن البشري لا يحتمل. وهناك قاضٍ يرى القانون أمامه، لكنه يدرك أيضًا ظروف الإنسان خلف الملف. وهناك أب يتخذ قرارًا يعرف اقتصاديًا أنه غير مثالي، لكنه يراه أخلاقيًا وإنسانيًا واجبًا.

كيف تضع الرحمة في معادلة؟

وكم تساوي الكرامة في جدول بيانات؟

وما الرقم الذي نعطيه للحب أو الوفاء أو التضحية أو الإيمان أو الشرف؟

هنا تكمن مخاوفي الحقيقية، الذكاء الاصطناعي يستطيع محاكاة لغتنا عن الحزن، لكنه لا يحزن. يستطيع أن يشرح الألم دون أن يتألم، وأن يكتب عن الموت دون أن يخافه، وأن يناقش الحب دون أن يحب.

ليست المشكلة في ذلك، فالآلة لم تدّعِ أنها إنسان. المشكلة تبدأ عندما نطالب الإنسان بأن يصبح مثلها. وحين يصبح القرار الأفضل هو الأكثر كفاءة فقط، ويصبح المواطن رقمًا، والمريض احتمالًا، والعامل تكلفة، والفقير عبئًا اقتصاديًا، والمسن بندًا في ميزانية، حينها لن تكون الآلة قد فقدت إنسانيتها، لأنها لم تمتلكها أصلًا، بل نحن الذين سنكون قد فقدنا إنسانيتنا.

وحتى هذا العالم الرقمي له جسد ثقيل جدًا، مراكز البيانات تحتاج إلى طاقة هائلة، وبعض أنظمة التبريد تستهلك المياه. وكلما توسع الذكاء الاصطناعي، أصبح السؤال عن الكهرباء والماء والأرض والبنية التحتية جزءًا من سؤال الذكاء نفسه. وفي دول تعاني أصلًا شح المياه، لن تكون المسألة تقنية فقط، بل مسألة أولويات وطنية: كم موردًا مستعدون لإنفاقه كي تصبح الآلة أذكى؟

وقد يأتي يوم تصبح فيه الدول التي تملك الطاقة والحوسبة والرقائق والبيانات هي الدول التي تملك القرار، بينما تتحول بقية الدول إلى مستهلكين لذكاء يُصنع خارج حدودها.

وهناك خطر آخر أكثر قربًا مني ومنك: النسخة الرقمية من الإنسان!

قريبًا لن يكون مستغربًا أن توجد منظومة تعرف كتاباتي، وصوتي، وأفكاري، وقراراتي السابقة، وطريقة حديثي، وما أحب وما أرفض، ثم تستطيع أن تتحدث بأسلوبي وتجيب كما يُتوقع مني أن أجيب: لن تكون أنا؟

لكن ماذا لو أصبحت مقنعة إلى درجة أن الآخرين لا يهتمون بالفرق؟

هنا يدخل الإنسان منطقة فلسفية لم يدخلها من قبل: ماذا يبقى مني إذا استطاعت آلة أن تؤدي دوري الاجتماعي والفكري والمهني من دون وجودي؟

لهذا لا أعتقد أن المعركة المقبلة ستكون بين الإنسان والآلة، المعركة ستكون داخل الإنسان نفسه، بين رغبته في الراحة وحاجته إلى الحرية.

بين كفاءة الخوارزمية وفوضى الضمير، بين القرار المثالي رياضيًا والقرار الصحيح إنسانيًا؟

أنا لا أخشى أن يصبح الذكاء الاصطناعي إنسانًا، بل أخشى جدًا من اليوم الذي يصبح فيه الإنسان آلة، ثم يسمي ذلك تقدمًا!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.