في الصباحات اللبنانيّة المريضة، لا بدّ من العثور على "طريقة" لمغالبة الموت العميم، بتفاصيل ضئيلة تخلو من أخبار الاستعراض والرياء والإرهاب والسلاح والسرقة والفساد والبلطجة، وهي "جوهر" حياتنا اليوميّة.يقول القائل: الطريقة بسيطة، هاكم إيّاها: بالصمت المتواضع أحضّرُ قهوتي على نارٍ صابرة، ثمّ أجعل الركوة والفنجان على صينيّةٍ من نحاسٍ أنيق كنتُ اشتريتُها من أحد أسواق بغداد العتيقة، في آخر الثمانينات. ثمّ ألتقط صورةً وأُرسِلها إلى جلسائي الصباحيّين، فأتقاسم قهوتي وإيّاهم. لا أجمّل المشهد، ولا أُدخِل عليه أيّ تحسين، لكنّي أحاول اختراعه، كلّ مرّة، بعفويّة البداهة الإنسانيّة والشعريّة، مضفيًا عليه نكهةً ما، توازي نكهة اختراع الحياة والشعر نفسيهما. هذا الصباح، أجلستُ الصينيّة في موضعٍ يطلّ على "طبيعةٍ ميتة"، هي ترجمةٌ حرفيّة لعبارة nature morte في لغة الرسّامين.ينطوي هذا "الطقس" الصباحيّ على عيشِ لحظةٍ فالتة خارج الوقت، خارج الزمان اللبنانيّ المهيض، ومحرّرة من ربقة المكان العموميّ الخارجيّ، همومه ومآسيه.لولا مثل هذه اللحظة، وما يوازيها، يقول القائل، ما كان لأيِّ كائنٍ بصير أنْ يظلّ ماثلًا بمناعته الروحيّة والجسديّة، شاهدًا على المقتلة الوحشيّة، مُحبِّرًا إيّاها بالوجود النظيف، وبالخافق، وبالشعر، أو بأيِّ وسيلةٍ مماثلة.
هنري ماتيس شرب القهوة عندي وترك لوحته هديّة
مواضيع ذات صلة

