حين يتبخر حشد عسكري مدعوم بأحدث العتاد وأضخم التمويلات أمام مجاميع تسللت بإمكانات محدودة، يتكشف "الانسحاب التكتيكي" كغطاء يبرر الهشاشة الميدانية، وطرحًا يفتقر للواقعية العسكرية. ويتجلى ذلك بوضوح أمام تفاصيل المشهد المعتم، ويضع المتابع للشأن الميداني أمام تساؤلات حارقة حول كفاءة الرصد الاستخباراتي والتراخي القيادي، كما يلمح بوضوح إلى احتمالات الاختراقات الأمنية وتضارب المصالح التي نخرت الصفوف من الداخل، مما أوجد ثغرة قاتلة استغلتها الميليشيا الحوثية لتنفيذ هذا الاختراق الخطير.
كما أن قراءة سقوط المخا بمعزل عن التصعيد الشامل في المنطقة تُعد قراءة قاصرة وتضليلية، فهذا التطور يأتي بالتزامن مع تصعيد حوثي يستهدف مصفاة أرامكو في جازان ومواقع عسكرية ومدنية في أبها، يرافقه استهداف لخط أنابيب "شرق-غرب" لنقل النفط عبر مسيّرات انطلقت من الأراضي العراقية. هذا الربط العابر للحدود يكشف بوضوح إدارة طهران لأدواتها الإقليمية في اليمن والعراق ضمن مخطط موحد يهدف إلى خنق إمدادات الطاقة، وتشتيت الجهود السعودية، وتطويق مضيق باب المندب لإحداث أزمة شلل واضطراب في أسواق النفط والملاحة العالمية.
هذا التصعيد المزدوج بين الحدود والساحل واستهداف خطوط النفط الاستراتيجية يكشفان طبيعة السلوك الانتحاري القائم على قاعدة "عليّ وعلى أعدائي" الذي تنتهجه طهران إثر الضغوط الاقتصادية والسياسية الخانقة التي تتعرض لها. ومن هذا المنطلق بالتحديد، تحرك إيران أدواتها بالاندفاع نحو المخا باعتبارها السهم الأخطر للتحكم بباب المندب وتحويل الساحل إلى منصة تهديد بحري مباشر عبر زرع الألغام ونشر الزوارق المسيّرة، وهو تهديد يمتد ليعصف مباشرة بالأمن القومي والاقتصادي للجمهورية المصرية، عبر تقويض حركة التجارة في البحر الأحمر والإضرار المباشر بإيرادات قناة السويس التي تُعد شريانًا حيويًا للاقتصاد المصري، مما يضع القاهرة والرياض في خندق استراتيجي واحد لمواجهة هذا العبث.
الملاحة عبر باب المندب وتدفق النفط عبر الممرات والخطوط الاستراتيجية يُعدان عصب الاقتصاد والتجارة للجميع، والعبث بهما يجر أزمة توريد عالمية وتضخمًا يطال المواطن الغربي قبل غيره. لذا، فإن التحركات الدولية العاجلة باتت ضرورة حتمية لاحتواء الأزمة والحيلولة دون تكرار سيناريو تعطيل الملاحة الذي شهدته الممرات الحيوية كمضيق هرمز. ولا يمكن التغاضي عن الارتباك الذي تشهده الحسابات الغربية، سواء بالتردد خشية اتساع رقعة المواجهة، أو بالرهان على مفاوضات تُطبخ خلف الكواليس، إذ إن كل دقيقة تُهدر في هذا البطء الإقليمي والدولي لا تُعد سوى طوق نجاة ومهلة مجانية تُستغل لتثبيت النفوذ الميداني وفرض واقع جديد على الأرض.
يبقى السؤال الأهم حول مدى إمكانية قبول العالم بوجود خنجر إيراني على شريان الملاحة الدولية ومصادر الطاقة، والإجابة هي الرفض القاطع. وحتى لو تباطأت القوى الكبرى، فإن الدول المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها السعودية ومصر، لن تسمح بترك باب المندب وإمدادات الطاقة تحت الرحمة الإيرانية.
لقد باتت استعادة المخا وتطهير محيطها ضرورة وجودية لحماية أمن المنطقة والتجارة العالمية، وقد حانت اللحظة لتصفية الاختراقات الأمنية إن وجدت، وإعادة هيكلة القيادات العسكرية ميدانيًا واستخباراتيًا وتوحيد صفوف القوات اليمنية. لا يوجد سوى مسارين لا ثالث لهما: إما ردع حازم يقطع أنياب طهران وأدواتها في اليمن والعراق، أو انجراف المنطقة والعالم نحو مواجهة أوسع وأشد خطورة.


