فوجئت هذه السيدة برد لم تسمعه طوال حياتها في الكويت: إن التوصيل للبيت الكويتي فقط. فأجابته: نعم، نحن غير كويتيين. فرد عليها: ليأتِ أحدكم ليأخذ أسطوانة الغاز.
توقفت أنا عند هذه العبارة... أكثر مما توقفت عند موضوع الغاز نفسه.
القضية بالنسبة لي ليست أسطوانة غاز، وإنما سؤال واضح ومباشر: بأي حق؟ هل هناك قرار رسمي جديد يمنع توصيل أسطوانات الغاز إلى غير الكويتيين؟
هل هناك تعميم من وزارة الشؤون أو اتحاد الجمعيات التعاونية بهذا المعنى؟ أم أنه اجتهاد خاص من الجمعية أو أحد أفراد أو مسؤولي الجمعية؟
هل أصبحت جنسية طالب الخدمة شرطاً للحصول على خدمة تقدمها جمعية تعاونية داخل منطقة لكل من يسكن فيها، الكويتي وغير الكويتي، ويدخل أسواقها ويشتري منها الاثنان؟
ولأنني لا أحب أن أبني موقفاً على رواية طرف واحد، اتصلت شخصياً بجمعيتين تعاونيتين أخريين، غير الجمعية التي أتحدث عنها هنا... وسألت عن وجود قرار من اتحاد الجمعيات أو جهة رسمية يقصر خدمة توصيل الغاز على الكويتيين أو مساهمي الجمعية فقط، وكان الرد الذي تلقيته: لا يوجد لدينا مثل هذا الأمر.
ولم أُقدم أنا شخصياً على هذه الخطوة إلا بعد أن اتصلت قبلها بالجهة المسؤولة عن توزيع الغاز بالجمعية المقصودة، للتأكد مما سمعته من السيدة غير الكويتية، وطلبت توصيل الغاز لي، فأفادني الشخص، بعد أن عرف أنني كويتية، أن أولوية التوصيل للمساهمين فقط.. ولم يقل لي إنها للكويتيين فقط، كما فعل مع السيدة غير الكويتية.
استغربت هذا الرد، وسألته فوراً، بكثير من الاستغراب، عن مصدر هذا القرار: هل هو خاص بمجلس إدارة الجمعية؟ فرد أولاً أنه قرار من مجلس الإدارة، ولما سألته عن اسم رئيس مجلس الإدارة للاستفسار منه، رد بأنه قرار من اتحاد الجمعيات التعاونية، ثم سألني عن رقم مساهمتي بالجمعية ليوصل أسطوانة الغاز، حتى يتأكد أنني من المساهمين.
معالي وزيرة الشؤون الموقرة، إذا لم يكن هناك قرار رسمي يفرض هذا المنع وهذه السياسة الجديدة من أي جهة، فمن الذي قرره في هذه الجمعية؟
من أعطى الموظف، أو من هو المسؤول الذي أصدر إليه التعليمات (إذا كانت فعلاً تعليمات، أم هو قرار شخصي... بغض النظر عمّن هو)؟ من الذي أعطى لنفسه صلاحية تقسيم الناس في خدمة كهذه على أساس الجنسية (كما جاء بالرد على الأخت غير الكويتية)؟
نحن نتفهم تماماً أن للجمعيات التعاونية طبيعة خاصة، وأن للمساهمين حقوقاً وامتيازات تنظمها القوانين واللوائح. ولا أحد يطالب بإلغاء حقوق المساهم الكويتي أو مساواتها بما ليست حقاً لغيره.
لكن هناك فارقاً كبيراً بين حقوق المساهم وبين الخدمات اليومية التي تقدمها الجمعية لسكان المنطقة وروادها، كما تعودنا منذ بداية عمل الجمعيات التعاونية.
غير الكويتي الذي يعيش في المنطقة لا يقف أمام باب الجمعية ليسألوه عن جنسيته قبل أن يشتري منها. يدخل السوق، ويشتري احتياجاته، ويدفع مثل غيره، وتستفيد الجمعية من مشترياته.
ولتسمح لي وزيرة الشؤون أن أسأل:
ما حقيقة ما حدث في هذه الجمعية؟ وهل توجد بالفعل تعليمات رسمية تقصر خدمة توصيل أسطوانات الغاز على الكويتيين فقط، أو المساهمين ثم يأتي غيرهم؟
إذا كانت موجودة، فمن حق الناس معرفة القرار ورقمه وأسبابه ونطاق تطبيقه.
أما إذا لم تكن موجودة، فأعتقد أن الأمر يستوجب تحقيقاً واضحاً، ليس للبحث عن موظف صغير نحمّله المسؤولية (وقد ينفي الموضوع برمته)، ثم نغلق الملف، بل يجب معرفة من الذي وجّهه للرد بهذه التعليمات ومحاسبته، إذا كان هذا تصرفاً شخصياً منه.
الخطورة في الموضوع في أن نسمح لكل إدارة أو مسؤول أو موظف بأن يضيف من عنده شروطاً لم تضعها الدولة، وأن يصنع تصنيفات بين الناس لم يطلبها القانون.
الكويت بلد يعيش فيه المواطن والمقيم منذ عقود جنباً إلى جنب. نعم، للمواطن حقوق تقررها الدولة لا يشاركه فيها غيره، وهذا أمر مفهوم ومحسوم. لكن أن يتم تحويل كل خدمة يومية إلى بوابة للتفرقة بين الناس (باجتهاد خاص)، فشيء آخر تماماً.
ولا أعتقد أن الكويت تحتاج إلى اجتهادات فردية تصنع حساسيات لا داعي لها، أو تقدم صورة وكأن هناك توجهاً للفصل بين الكويتي وغير الكويتي حتى في أبسط تفاصيل الحياة.
والأهم أن الجمعيات التعاونية وغيرها ليست ملكاً لموظف يقرر وفق مزاجه، ولا لمسؤول يضع شروطاً من عنده.. إنها مؤسسات تعمل وفق قوانين ولوائح وتحت رقابة الدولة.. لا بمزاج أي مسؤول أو موظف.
إقبال الأحمد

