: آخر تحديث

تنمية الذات... فن من لم يجد فنًا!

2
3
2

عندما تصادف من يقدم نفسه مدربًا على تنمية الذات، وجّه له من فضلك سؤالًا صريحًا عن مؤهلاته العلمية أو خبراته المهنية، حتمًا ستجد أغلبهم يحملون مؤهلات أو خبرات بعيدة كل البعد عن تنمية الذات.

ربما وجدت من يحمل مؤهلًا أو من لديه خبرات ترتبط بشكلٍ مباشر أو غير مباشر بتنمية الذات. غالبًا سيكون أولئك أخصائيين اجتماعيين أو نفسيين جذبهم بريق الشهرة ورنين الدراهم إلى عالم تنمية الذات، منصرفين عن عياداتهم وأبحاثهم ودراساتهم!

هذا ما جعلني أصل إلى قناعة بأن مدربي تنمية الذات (Life Coaches) وجدوا في هذا الميدان ما يعوضهم عما أخفقوا في تحقيقه من علم أو منصب وكل ما يأتي بالشهرة والمال، فهو ميدان مليء بالطلب وفق معادلة (العرض والطلب) للعديد من الأسباب التي يبرز منها: الأدواء التي يعاني منها بعض الناس وخاصة النفسية، والأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف بهم، وشغف البعض بتحقيق النجاح السريع والمكاسب السريعة وغيرها.

أكاد أجزم أن معظم ما يقوله مدربو الذات خلال حصصهم التدريبية معلومٌ لدى من يستمع إليهم، فهم لا يأتون بشيء جديد في الغالب عدا بعض المعارف التي يتباين الناس في تحصيلها، مثل المعلومات التاريخية، وأقوال العلماء، والقصص الإنسانية ونحو ذلك. أما بالنسبة إلى ما يختلج في مشاعر الناس، وما قد يعترضهم من عقبات وتحديات، وتكنيكات وتكتيكات مواجهتها ومعالجتها، فهي في متناول التفكير العادي دون العميق، ويمكن الحصول عليها، وخاصة ما يتعلق بالمعالجات، من خلال استشارة ذوي الاختصاص والخبرة مجانًا!

بمعنى أنني لست مضطرًا أن أنضم إلى دورة بمبلغٍ وقدره (عادةً يطلبون مبالغ كبيرة) لأتعرف على كيفية التغلب على العقبات التي تواجهني وأحقق النجاح! وليت اللجوء إليهم عديم النفع فقط، بل قد يترتب عليه ضرر لم يكن في الحسبان!

كما أن المشكلة إذا كانت تنتمي إلى عالم الطب، وخاصة النفسي باعتباره المرتبط بقدر أكبر بهذا السياق، فما على الذي يعاني منها إلا أن يلجأ إلى الطبيب المختص وليس إلى مدرب تنمية الذات أو ما شابه!

ولأن هذا المجال لا ينطلق من أساس علمي، نجد أن كثيرًا ممن يقدمون أنفسهم مدربي تنمية ذات يتخبطون ويقتحمون التخصصات الأخرى دون هدى، والغريب أن معظمهم لا ترد في قواميسهم عبارة (لا أعرف)، فهم يدعون معرفة كل شيء وإن لم يصرحوا بذلك. كما قد يقع بعض الأشخاص الذين لجأوا إليهم في مشاكل صحية أو اجتماعية أو اقتصادية، ولا يستطيعون رفع دعاوى قانونية ضدهم لغياب الغطاء القانوني، بخلاف الأخطاء الطبية التي إذا أُثبتت كان من حق المتضرر الحصول على الانتصاف، بما في ذلك التعويض.

لا أستبعد أن أناسًا استفادوا من مدربي تنمية الذات وتغيرت حياتهم إلى الأفضل، وقد قيل لي ذلك في عدة مقامات، ولكن أكاد أجزم بأن ذلك جاء بسبب إرادتهم الحازمة ورغبتهم الجامحة في تجاوز العقبات أو تحقيق النجاح، إذْ لم يكونوا يحتاجون إلا لدفعة معنوية بسيطة، فهل تحتاج هذه الدفعة إلى دُفعة بلغة المال؟ كان من الممكن أن يجدوها من قريب أو صديق أو زميل!

أشار تقرير منشور على منصة (The Oxford Review) إلى أن 50 بالمئة من المدربين الذين شملهم الاستطلاع استندوا في ممارساتهم التدريبية إلى علوم زائفة وخرافات.

أرجو ألا يُفهم من كلامي أنني ضد مساعدة الآخرين، بل إنني معها، سواء صدرت من مدربي تنمية الذات أو غيرهم، ولكن هنا أتحدث عن غياب الأساس العلمي والقانوني في عالم تنمية الذات، واستغلال بعض مدربي تنمية الذات مشاكل الناس للوصول إلى المال والشهرة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.