: آخر تحديث

أبناء المساحة المشتركة... عرب إسرائيل

3
4
2

منذ فترة التقيت بسيدة إسرائيلية تنتمي إلى عائلة مختلطة، أحد والديها يهودي والآخر عربي، ولم يكن هذا الأصل المركب وحده ما أثار اهتمامي، بل طريقة تفكيرها ونظرتها إلى مجتمعها وإلى المنطقة. لقد وجدت أمامي شخصية يصعب وضعها بسهولة داخل التقسيمات التي اعتدنا استخدامها من الخارج.

ولكن، هل نصفها وفق أصل والدها أم والدتها، أم باعتبارها إسرائيلية فقط؟ ثم بدا لي أن السؤال نفسه ربما يعكس مشكلتنا نحن أكثر مما يعكس هويتها، لأننا نحاول وضع إنسان تشكل داخل واقع اجتماعي مختلف في قوالب صنعها صراع عمره عقود.

هذه الملاحظة دفعتني إلى النظر بصورة مختلفة إلى المجتمع الإسرائيلي، فهو مجتمع شديد التمايز، تحتفظ مكوناته بخصوصياتها الدينية والقومية والثقافية، لكن عقودًا من العيش داخل دولة واحدة جعلت الحدود بينها أقل صلابة في الحياة اليومية مما تبدو عليه في السياسة والصراع. ونحن في العالم العربي نراه غالبًا من خلال الحرب والصراع الفلسطيني الإسرائيلي والجيش والحكومات، وهي كلها حقائق أساسية، لكنها لا تختصر المجتمع كله، فخلف هذا المشهد توجد حياة يومية متراكمة منذ أجيال بين يهود وعرب ودروز ومسيحيين ومسلمين، وبين جماعات تختلف حتى داخل التصنيف الواحد في أصولها وفي الطريقة التي تعرف بها نفسها.

إسرائيل نفسها تحمل مفارقة لافتة، وذلك أن الدين متعمق في بنية المجتمع والدولة، وفي الوقت نفسه تغطي الليبرالية مساحات واسعة من الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. وبلا شك، فهناك تحديات وفجوات وخلافات كثيرة لا تزال قائمة، ولا حاجة إلى إنكارها أو تجميلها، لكن ذلك لم يمنع نشوء مساحات مواطنة وحياة مشتركة جعلت العربي طبيبًا وقاضيًا وأستاذًا جامعيًا وعضوًا في الكنيست، وفي بعض المكونات ضابطًا وجنديًا أيضًا.

الحقيقة أنه حتى تعبير العرب في إسرائيل يخفي وراءه واقعًا أكثر تنوعًا مما يبدو، فهناك فلسطينيون إسرائيليون يرون هويتهم الفلسطينية جزءًا أساسيًا من تعريف أنفسهم، وهناك بدو ودروز ومسيحيون ومسلمون، وهناك عائلات تعود جذورها إلى لبنان وسوريا ومصر ومناطق أخرى، وبعضهم يرى نفسه عربيًا وإسرائيليًا في الوقت نفسه، وبعضهم فلسطينيًا وإسرائيليًا، وبعضهم يضع هويته الإسرائيلية في المقدمة.

بالتأكيد، فإن هذه الصورة تختلف عن السردية التي رسخها جزء من الإعلام العربي التقليدي عن العربي داخل إسرائيل بوصفه مواطنًا يعيش في دولة لا يشعر تجاهها بأي انتماء، الواقع أكثر تعقيدًا، حيث تشير استطلاعات حديثة إلى أن أغلبية كبيرة من العرب في إسرائيل لا ترغب في مغادرة دولة إسرائيل حتى لو توافرت لها فرصة مناسبة للعيش في دولة غربية، كما تظهر في المقابلات والتصريحات العلنية أصوات عربية إسرائيلية لا ترى في الانتقال حتى إلى دولة عربية بديلًا أفضل، ولا تعني هذه المواقف الرضا عن كل شيء، لكنها تكشف أن الأصل العربي لا يساوي تلقائيًا رفض الهوية الإسرائيلية.

لكن أكثر ما يثير اهتمامي ليس هذا التداخل في صورته السياسية أو المدنية، بل اللحظة التي يدخل فيها إلى العائلة نفسها، بالرغم من أن الزواج بين اليهود والعرب في إسرائيل لا يزال محدودًا، والحواجز الدينية والاجتماعية حوله قوية لدى الطرفين، ولذلك سيكون من الخطأ تقديمه بوصفه ظاهرة ديموغرافية واسعة أو الحديث عن جيل كبير سيغير المجتمع قريبًا، ولكن قيمته الحقيقية ليست في العدد، وإنما فيما يكشفه عن قدرة الحياة المشتركة على إنتاج هويات لا تنطبق عليها التقسيمات القديمة بسهولة.

فمن يولد لأب يهودي وأم عربية، أو العكس، يحمل داخل البيت الواحد ما اعتاد الصراع تقديمه باعتباره عالمين منفصلين، قد يسمع العربية والعبرية، ويعرف أقارب يهودًا وعربًا، ويتعامل منذ الطفولة مع ثقافتين وذاكرتين، وربما مع أكثر من دين أو تقليد اجتماعي، وقد يكون الطرف العربي فلسطينيًا إسرائيليًا أو درزيًا أو بدويًا أو من عائلة ذات جذور عربية أخرى، وبالنسبة إلى هذا الفرد لا يمر الخط بين نحن وهم دائمًا خارج البيت، فقد يمر داخل شجرة العائلة نفسها.

هنا بالتحديد تغيرت نظرتي بعد لقائي بتلك السيدة، فليست أهميتها أنها تمثل شريحة ديموغرافية كبيرة، فهي لا تمثلها، وإنما لأنها نموذج لإنسان أنتجه المجتمع الإسرائيلي ولم تعد التعريفات القديمة قادرة على وصفه بسهولة، ولم أعد أرى فائدة في محاولة تحديد ما إذا كانت عربية يهودية أو يهودية عربية، الأهم أنها إسرائيلية ذات هوية مركبة، وأن تكوينها الشخصي نفسه يكشف شيئًا عن المجتمع الذي نشأت داخله.

جاءت مجزرة السابع من تشرين الأول (أكتوبر) لتضيف إلى هذه الفكرة اختبارًا أكثر قسوة، فالهجوم الإرهابي لم يستثن المواطنين العرب الموجودين في مناطق الهجوم، فقُتل عرب، بينهم فلسطينيون إسرائيليون وبدو، واختُطف آخرون، وفي المقابل شارك مواطنون عرب في عمليات الإنقاذ والدفاع، كما شارك جنود وضباط من الدروز والبدو في حماية البلدات والقتال.

وهنا يتضح لنا أن عند الخطر تصبح الهوية أقل تجريدًا، فيستطيع الإنسان أن يحتفظ بأصله العربي أو هويته الفلسطينية، ثم يرى في الوقت نفسه أن إسرائيل هي الدولة التي يعيش فيها وأن الدفاع عن مواطنيها يعني الدفاع عن أسرته وبيته ومستقبله، وبالنسبة إلى أفراد الجيل الناتج عن الزواج المختلط تصبح المسألة أكثر تركيبًا، فاليهودي والعربي ليسا بالنسبة إليهم عالمين منفصلين تمامًا، لأن كليهما حاضر في العائلة وفي التكوين الشخصي نفسه.

لا أعتقد لذلك أن من الدقة وصف هؤلاء تلقائيًا بأنهم جيل السلام، قد يكون أحدهم يمينيًا أو يساريًا، قوميًّا أو ليبراليًا، مؤيدًا للحكومة أو معارضًا لها، فالزواج المختلط لا يصنع موقفًا سياسيًا موحدًا، ولا يمنح صاحبه حصانة من الصراعات التي يعيشها المجتمع.

لكن هذا الجيل يربك الخريطة التقليدية للصراع، فالخطاب السياسي يحتاج عادة إلى حدود واضحة بين الجماعات، هذا يهودي وذاك عربي، هذا إسرائيلي وذاك فلسطيني، هؤلاء هنا وأولئك هناك، أما داخل العائلات المختلطة، فقد تمر هذه الحدود في البيت نفسه، وأحيانًا داخل هوية الشخص الواحد.

لهذا لا أرى أهمية الزواج اليهودي العربي في حجمه الحالي، بل في دلالته. فهو يكشف أن عقودًا من العيش داخل مجتمع واحد تستطيع، حتى وسط النزاع والتوتر، أن تنتج أفرادًا لا تكفي كلمة واحدة لتعريفهم.

المفارقة أن السياسة والإعلام يستطيعان الاستمرار في وصف اليهود والعرب باعتبارهم عالمين منفصلين، بينما تنتج الحياة، ولو بأعداد محدودة، أشخاصًا ينتمون بدرجات مختلفة إلى العالمين معًا، وهذا لا يلغي الصراع ولا الخلافات، لكنه يجعل فكرة الفصل الكامل بين الهويات أقل انسجامًا مع الواقع الذي يتشكل ببطء داخل المجتمع.

ربما لا يكون المهم في المستقبل عدد هذه الزيجات بقدر ما سيكون مهمًا ما تنتجه من أفراد لا يرون ضرورة للاختيار القسري بين كل مكونات هويتهم، فماذا يحدث للصراع نفسه عندما لا تعود الحدود التي يقوم عليها تمر بوضوح بين البشر، بل تبدأ بالمرور داخل هوياتهم وعائلاتهم وحياتهم اليومية؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.