: آخر تحديث

أربيل من ثورات الحقوق إلى ثورة البناء

3
3
2

لم تبدأ حكاية كوردستان بالحدائق والسدود والكهرباء والمشاريع العمرانية. بدأت من الجبال، من قرى حملت ذاكرة القتال والنزوح، ومن أجيال خرجت تطالب بحقوق شعب لم يكن يملك في كثير من المراحل سوى إرادته وقدرته على الصمود.

كانت ثورة أيلول (سبتمبر)، ثم ثورة كولان، أكثر من محطتين في تاريخ الكورد. كانتا تعبيرًا عن مرحلة كان فيها السلاح وسيلة للدفاع عن الوجود والهوية والحقوق، في مواجهة ظروف سياسية وأمنية لم تكن تسمح للكوردي بأن يحلم بحياة طبيعية مستقرة. لذلك ارتبطت صورة الجبل في الذاكرة الكوردية بالثورة، كما ارتبطت الثورة بالتضحية والصمود.

لكن التاريخ لا يبقى ثابتًا، والشعوب التي تنجح في الوصول إلى مرحلة جديدة هي التي تعرف كيف تغير أدواتها عندما تتغير الظروف.

بعد عام 1991، ثم بعد سقوط النظام السابق عام 2003، دخلت القضية الكوردية مرحلة مختلفة. لم يعد التحدي مقتصرًا على الدفاع عن الحقوق بالسلاح، بل أصبح تثبيتها سياسيًا ودستوريًا وبناء مؤسسات قادرة على حمايتها. وجاء دستور العراق عام 2005 ليكرس إقليم كوردستان كإقليم اتحادي ضمن الدولة العراقية.

هنا بدأ سؤال آخر يفرض نفسه: ماذا نفعل بما تحقق؟

الجواب لا يمكن أن يكون سياسيًا فقط. فالحقوق التي لا تتحول إلى حياة أفضل للناس تبقى ناقصة. والاستقرار الذي لا ينتج مدرسة ومستشفى وطريقًا وماءً وكهرباءً وبيئة صالحة للحياة لا يستطيع أن يصبح مشروعًا متكاملًا للمستقبل.

من هذه الزاوية يمكن قراءة التحولات التي شهدتها أربيل وكوردستان خلال السنوات الأخيرة، وخصوصًا في مرحلة حكومة مسرور بارزاني، باعتبارها امتدادًا لمسار طويل انتقل فيه الكورد تدريجيًا من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة بناء الحياة.

البناء هنا لا يعني الإسمنت وحده.

أحيانًا يبدأ البناء بطفل.

قبل أيام، أعلنت حكومة إقليم كوردستان عن رعاية تعليمية كاملة لـ78 طالبًا من الأطفال المقيمين في دور رعاية فاقدي الرعاية، من رياض الأطفال وحتى الجامعة، مع استمرار الدعم وصولًا إلى التخرج، وتوفير التعيين الحكومي للخريجين، إلى جانب معالجة أوضاع الأطفال الذين لا يمتلكون وثائق رسمية.

قد تبدو الأرقام صغيرة أمام أرقام المشاريع الكبرى، لكنها ربما تكون من أكثر الأرقام إنسانية. لأن الدولة لا تُقاس فقط بعدد السدود التي تبنيها، بل أيضًا بقدرتها على أن تقول لطفل فقد أسرته: مستقبلك ليس متروكًا للصدفة.

هذه هي النقلة الحقيقية في معنى البناء، أن يصبح الإنسان نفسه جزءًا من المشروع.

وفي قلب أربيل، هناك مثال آخر شديد الرمزية. منتزه سامي عبد الرحمن، الممتد على مساحة تقارب 200 هكتار، أقيم في موقع كان يستخدم سابقًا لأغراض عسكرية، وتحول إلى مساحة عامة تضم البحيرات والحدائق ومناطق الترفيه.

قد يبدو المشهد عاديًا لمن يراه اليوم: أشجار، ماء، عائلات، أطفال يمشون، ورياضيون يركضون. لكنه يحمل معنى أكبر إذا نظرنا إلى المكان من زاوية التاريخ.

المكان الذي ارتبط يومًا بالآلة العسكرية أصبح مساحة للحياة.

وهنا تختصر أربيل جزءًا من قصتها: من الثكنة إلى الحديقة.

ولا تقل قصة المياه أهمية. ففي منطقة تعيش تحت ضغط التغير المناخي وتراجع الأمطار وارتفاع الطلب على المياه، لم يعد بناء السدود مجرد مشروع هندسي، بل أصبح جزءًا من معركة المستقبل. وتشير أحدث البيانات الحكومية إلى وجود 25 سدًا مكتملًا في الإقليم، مع مشاريع أخرى قيد التنفيذ، فيما تجاوزت السعة التخزينية للسدود والمنشآت المائية 8 مليارات متر مكعب.

وفي أربيل تحديدًا، تتواصل مشاريع لمعالجة أزمة المياه وتأمين مصادر أكثر استدامة للمدينة، في محاولة لتقليل الاعتماد على المياه الجوفية وحماية مستقبل واحدة من أسرع مدن المنطقة نموًا.

ثم تأتي الكهرباء، وهي ربما أكثر الأشياء التي يشعر بها المواطن في تفاصيل يومه.

مشروع "روناكي" لم يكن مجرد تغيير في ساعات تجهيز الطاقة. فالوصول إلى كهرباء مستمرة في مناطق واسعة من الإقليم يعني أيضًا تقليص الاعتماد على آلاف المولدات الأهلية التي ارتبطت لسنوات بصوتها ودخانها وكلفتها. وتشير البيانات الحديثة للمشروع إلى خروج آلاف المولدات من الخدمة، مع خفض كبير في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.

هنا تلتقي الكهرباء بالبيئة، وتلتقي البيئة بجودة الحياة.

والبيئة نفسها لم تعد تفصيلًا ثانويًا. فخطط الحزام الأخضر حول أربيل تتجه إلى إنشاء نطاق واسع من الأشجار والمسطحات الخضراء والأحواض المائية، بما يساعد على مقاومة الغبار والتصحر وارتفاع درجات الحرارة وتحسين قدرة المدينة على مواجهة تغير المناخ. ويمتد مشروع الحزام الأخضر لنحو 83 كيلومترًا وبعرض يصل إلى كيلومترين، مع ملايين الأشجار وأحواض لحجز المياه.

كل ذلك يحدث في منطقة ليست هادئة.

كوردستان تقع في قلب جغرافيا مضطربة، محاطة بصراعات إقليمية، وأزمات اقتصادية، وتوترات أمنية، وتغيرات مناخية تضغط على المياه والزراعة والمدن. لذلك فإن قيمة هذه المشاريع لا تُقرأ فقط في حجمها، بل في الظروف التي ولدت فيها.

أن تبني في زمن الأزمات أصعب من أن تبني في زمن الهدوء.

ولهذا تبدو أربيل اليوم مختلفة عن الصورة القديمة التي ارتبطت بالمنطقة في الذاكرة السياسية. ليست مدينة معزولة عن محيطها، ولا مدينة خالية من التحديات، لكنها استطاعت أن تحافظ على قدر من الاستقرار جعلها واحدة من المدن الآمنة نسبيًا في المنطقة، وفي الوقت نفسه تواصل توسيع بنيتها التحتية ومساحاتها الخضراء ومشاريعها المائية والخدمية.

وربما هنا تكمن المفارقة الأجمل في قصة كوردستان.

الأمس كان فيه جبل وسلاح.

واليوم فيه مدرسة وجامعة وسد وحديقة ومحطة كهرباء وطريق ومستشفى.

الأمس كان دفاعًا عن الحق في الوجود.

واليوم أصبح الدفاع عن حق الإنسان في حياة أفضل.

هذه ليست نهاية الثورة، بل تغيير في معناها.

فالثورة لا تنتهي عندما يسكت صوت السلاح. ربما تبدأ مرحلة أخرى منها عندما يبدأ صوت البناء.

وعندما يصبح الهدف أن يستيقظ طفل في كوردستان على مستقبل أكثر أمنًا، وأن تجد عائلة كهرباء مستقرة، وأن يجد المزارع ماءً، وأن يرى سكان المدينة أشجارًا أكثر وهواءً أفضل، وأن يتحول موقع عسكري قديم إلى حديقة مفتوحة للعائلات، عندها تنتقل فكرة الحقوق من صفحات التاريخ والخطابات السياسية إلى شيء يستطيع الإنسان أن يلمسه بيده ويعيش أثره في حياته اليومية.

ربما تكون هذه هي الثورة الأصعب.

ثورة أن تبني ما يستحق أن يبقى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.