: آخر تحديث
قراءة في كلام ذي الرئاستين:

عن الإمام الغائب.. المغيَّب

5
4
3

لو أن ذا الرئاستين، رئاسة المجلس النيابي ورئاسة حركة أمل، نبيه بري، اختار أن تكون مناسبة الذكرى الثامنة والأربعين لـ"اللغز الصدري" جنوبية، بمعنى أن يلقي كلمته في صور أو إحدى البلدات الجنوبية، لكانت الذكرى ستتحول إلى حضور حاشد وهتافات على نحو المناسبات التي يحييها حزب الله، ولكان الرئيس بري سيجد من الطبيعي إدراج عبارات تبعث في نفوس الألوف المشاركين في المناسبة مشاعر تعبوية.

لكن حكمة صاحب التجربة السياسية البعيد النظر ارتأت أن يُلقي كلمته الحركية من مقر رئاسته الرسمية وعبر الشاشة التلفزيونية، وبذلك فإن كلمته نأت عما هو مألوف في خُطب تُلقى في مناسبات ذات موجبات نوعية، وجاءت تخاطب كل لبنان، الدولة والطوائف، وتحدد بعض العبارات المواقف المأمول اتخاذها في شأن ما هي عليه أحوال الوطن، وبالذات عبارة "لا شيء أغلى من لبنان، لا تضيِّعوه في حروب داخلية ولا في انقسامات أو سقطات سياسية أو أمنية قاتلة"، فضلاً عن "التمسك باتفاق الطائف والمساعي التي يبذلها الأشقاء العرب وكذلك جمهورية باكستان الإسلامية لإنهاء التوتر وإرساء الاستقرار في منطقة الخليج بما يحفظ لدول المنطقة أمنها واستقرارها وسيادتها، خاصة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية ومحيطها دول مجلس التعاون الخليجي".

ولكي يطيب لجمهور حزب الله سماع من ذي الرئاستين وإسماعه البعض من الأطياف الحزبية والسياسية في شأن تطبيقات يحاول السفير الأميركي ميشال عيسى إقناع الدولة الأخذ بها، ويؤازر مبتغاه هذا طيف حزبي له حضوره وتأثيره في الوسط الشعبي المسيحي، فضلاً عن قبول ضمني من جانب الرئاستين الأولى والثالثة، فإن ذا الرئاستين نبيه بري يسجل الموقف الذي تراه الطائفة الشيعية بجناحيها حزب الله وحركة أمل بالعبارات الآتية: "صدِقوني، المطلوب ليس حزب الله ولا سلاحه ولا حركة أمل ولا الطائفة الشيعية. المطلوب إسرائيليًا الفتنة. والمستهدَف لبنان في وحدته وبما يمثِّل من نقيض لعنصرية إسرائيل"، وليضيف في هذا الشأن قوله: "إن المرحلة الراهنة لا تعطي أحدًا حق التصرف بأي من العناوين السيادية تحت أي مُسمى".

بالمقارنة مع العبارات التي نسمع الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم يقولها وتثير ثائرة أطياف مضادة، فإن الذي سمعناه كلامًا متقن الصياغة الوطنية من نبيه بري، الرئيس الثاني في الدولة والرئيس المثقل بهموم واهتمامات بني حركة أمل وكذلك جمهور حزب الله، كان بمثابة تنبيه للطيف اللبناني التواق إلى تعايش مع إسرائيل بأن رهان جماعاته الحزبية وغير الحزبية لن يحقق سوى المزيد من إغراق الوطن في الجب الإسرائيلي. وهنا بدا لافتًا التناقض، وفي يوم واحد، بين موقف الرئاسة الثانية وموقف الرئاسة الأولى، حيث نجد الرئيس جوزف عون، الذي صودفت زيارته لليونان (الاثنين 31 آب (أغسطس) 2026) إحياء الذكرى الصدرية، والذي ربما من سوء الحظ أنه زارها فيما هي تموِّن إسرائيل بما يعزز عدوانها، وأنه حرص على أن يقول مخاطبًا الرئيس اليوناني: "نحن دعاة سلام ومصممون على إنهاء حالة العداء مع إسرائيل وعلى أفضل العلاقات مع الجوار."

يبقى لمناسبة الذكرى الثامنة والأربعين التساؤل: هل قبل أن يحل نصف قرن على موضوع الإمام موسى الصدر ورفيقيه سيتم كشف هذا اللغز؟ وإذا كانت سوريا الأسد الأب ثم الابن، بما لها من قدرات على حل اللغز وبالتعاون مع حليفتها إيران وعُمق العلاقة بين العهد الأسدي والحُكم الإيراني، مرشدًا بعد مرشد، لم تؤديا هذا الواجب، فهل يعني ذلك أن هذا الإمام المعتدل الذي حط الرحال فجأة في لبنان وأحدث استنهاضًا متوازنًا للطائفة الشيعية وأدخل بند عسكرة معتدلة وغير مستفِزة، وبالتعاون مع فلسطين العرفاتية، بات من مقتضيات النهوض الثوري المقاوم وبالتحالف مع سوريا أن يكون هنالك إمام شيعي إقليمي واحد ذي شأن وتأثير.

هنا يصبح الدور الليبي بمثابة مفتاح لحل صندوق الأسرار. وبالتواصل مع النظام الليبي الجديد ومع حواريي حقبة العقيد القذَّافي، الذي كان يُخطَّط له لتثبيت أساسات جماهيريته العظمى التي حفَّزت الإمام موسى الصدر على زيارتها إعجابًا بتجربتها والتحادث مع الرئيس معمَّر. ويمكن، بدلاً من توجيه أغلظ الكلام، التعاون مع الطرفين (النظام الليبي ومعظم الحواريين الأحياء). أما إذا كان مكتوبًا للغز الصدري أن يبقى طي المجهول إلى أن تشهد المنطقة حالات جديدة تلغي الحالات الراهنة، فالرحمة على الإمام الغائب.. المغيَّب.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.