كتبتُ "وداعًا للشنب العربي" وأنا أستعيد صورةً من زمنٍ كان فيه الشنب أكثر من شعرٍ فوق الشفة، كان علامةً على الرجولة، وعلى الكبرياء، وعلى ذلك العربي الذي يمشي في الشارع وكأنه يحمل وطنه على كتفيه. لكنني لم أكن أعرف أن المقال سيعيد إليَّ سؤالًا أكبر من الشنب وأبعد من صورته.
كتب لي الصديق الصحفي الفلسطيني الدكتور خالد عبد الله، بجملة قصيرة، لكنها تحمل ثقل تاريخ كامل: "يا صديقي، الوطن العربي برمته أصبح فلسطين؟"
توقفتُ عند السؤال طويلًا.
لم يقل: هل تضامن العرب مع فلسطين؟ ولم يقل: هل ما زالت فلسطين قضيتهم؟ بل قال: "هل أصبح الوطن العربي برمته فلسطين؟"
وهنا تكمن البلاغة التي لا تحتاج إلى خطابة.
فلسطين لم تعد خريطةً محاصرة بين البحر والنهر فحسب، صارت سؤالًا مفتوحًا في ضمير الوطن العربي كله. كلما ظننا أن المأساة هناك، اكتشفنا أن شيئًا منها هنا أيضًا. وكلما قلنا إن فلسطين بعيدة، جاءت الصور لتقول لنا إن المسافة بين بغداد وغزة أقصر من المسافة بين الكلام والفعل.
ربما لهذا بدا لي سؤال د. خالد أشبه بمرآة.
فماذا بقي من الوطن العربي الذي عرفناه في كتب التاريخ، حين صار العربي يرى بيته في فلسطين، ويرى فلسطين في بيته؟
العراقي الذي عرف الحصار والحرب والنزوح لا يحتاج إلى قاموس طويل كي يفهم وجع الفلسطيني. والسوري الذي حمل وطنه في حقيبة، واللبناني الذي عاش على حافة الحرب، واليمني الذي يفتح عينيه على الركام، والليبي الذي عرف انقسام البيت على أهله، والسوداني الذي يمشي بعيدًا عن داره. كل هؤلاء يجدون في فلسطين شيئًا من حكايتهم.
لكن فلسطين تظل مختلفة.
إنها ليست نسخةً من مآسينا، بل المأساة التي جمعت شظاياها.
وحين قال خالد: "الوطن العربي برمته أصبح فلسطين"، شعرت أن الجملة تقلب عنوان مقالي رأسًا على عقب.
كنت أقول: "وداعًا للشنب العربي."
فإذا بالصديق الفلسطيني يقول لي، من حيث لا يقصد: "وماذا عن الوطن العربي نفسه؟"
أيُّ شنبٍ يمكن أن يبقى على وجه وطنٍ أضاع ملامحه؟ وأيُّ رجولةٍ يمكن أن تتباهى بشاربها، بينما طفل فلسطيني يبحث تحت الركام عن وجه أبيه؟
لقد تغيرت المعاني.
كان الشنب يومًا رمزًا للهيبة. أما اليوم فقد أصبحت الهيبة في القدرة على حفظ الإنسان من الموت، والوطن من الانهيار، والذاكرة من النسيان. ولذلك ربما لم يكن "وداعًا للشنب العربي" وداعًا للرجولة، كما قد يوحي العنوان، بل وداعًا "لصورة قديمة عن الرجولة".
فالرجولة ليست أن نربي شاربًا كثيفًا ونرفع الصوت عاليًا. الرجولة أن يبقى فينا شيء من فلسطين. وألا تتحول فلسطين إلى نشرة أخبار، ولا إلى صورة عابرة على شاشة، ولا إلى موسم من المواساة ثم نعود إلى حياتنا كأن شيئًا لم يحدث.
لقد جعلت فلسطين الوطن العربي يعيد النظر في صورته أمام المرآة.
وربما كان سؤال خالد عبد الله هو الأبلغ: "إذا كانت فلسطين قد أصبحت الوطن العربي كله، فمَن بقي خارج فلسطين؟"
ربما لم يعد هناك خارج. ربما صارت فلسطين هي الاسم الآخر للجرح العربي. وصار الوطن العربي، من المحيط إلى الخليج، واقفًا أمام مرآته، يبحث عن ملامحه القديمة، فلا يجد إلا وجه فلسطين.
لقد صار الوطن العربي يقف أمام المرآة فلا يرى إلا وجه فلسطين، وصار السؤال أكبر من الشنب وأبعد من الرجولة القديمة. إننا نعيش زمنًا تُفرم فيه الأوطان كما يُفرم اللحم، وتُشوى على نار المصالح كما تُشوى السيخات، ثم تُقدَّم للشعوب كوجبة ساخنة من الوعود الكاذبة.
وإذا كان الفلسطيني يبحث تحت الركام عن وجه أبيه، فإن العربي كله يبحث تحت الركام عن وجه وطنه. وهنا فقط نفهم أن القضية لم تعد في الشنب الذي سقط من الوجوه، بل في الوطن الذي سقط من المرآة. وهذا هو سرّ "تحوّل الوطن العربي إلى فلسطين"، حيث لم يعد هناك خارج، بل جرح واحد يمتد من المحيط إلى الخليج.
وهنا فقط أفهم لماذا كان ردّ خالد أقوى من مقالي كله.
فأنا كتبت عن الشنب العربي، وهو ذكّرني بأن القضية ليست في الشنب الذي سقط من الوجوه، بل في الوطن الذي سقط من المرآة. هناك، أمام تلك المرآة المكسورة، لم يعد العربي يرى سوى صورة فلسطين، ولم يعد الشنب سوى أثرٍ باهت لرجولةٍ ضاعت مع ضياع الوطن.
إنَّ سقوط الشنب ليس سوى تفصيل صغير، أما سقوط الوطن فهو الكارثة الكبرى، الكارثة التي جعلت المرآة لا تعكس إلا وجعًا واحدًا اسمه "فلسطين"، وجرحًا واحدًا اسمه "العروبة".


