كان ذلك في أواخر الثمانينيات.
زمنٌ كانت فيه البيوت تعرف أسرارها جيدًا، لكنها لا تقولها بسهولة. كانت الأمهات يخبئن وجعهن خلف أبواب الغرف، والنساء يتعلمن منذ الصغر كيف يبتلعن الأسئلة قبل أن تصل إلى أفواههن، وكيف يبدين بخير حتى عندما يكون شيء عزيز في داخلهن قد انكسر إلى الأبد.
كنت أجلس بجانبهما.
لم أكن أفهم تمامًا ما الذي يحدث، لكنني كنت أعرف أن هناك شيئًا ثقيلًا هبط على البيت فجأة، شيء لا يُرى، لكنه يجعل الهواء نفسه مختلفًا.
كانت ابنة عمي تبكي.
تبكي بطريقة لم أرها من قبل.
لم تكن دموعًا عابرة، ولا بكاء فتاة غاضبة من زوجها، بل بكاء امرأة اكتشفت فجأة أن الرجل الذي أعطته قلبها وبيتها وعمرها، كان يكتب في مكان آخر قصة لا مكان لها فيها.
عرفت أن زوجها تزوج بأخرى.
وكان ذلك، في عالمنا الصغير آنذاك، خبرًا يشبه سقوط سقف كامل فوق رأس امرأة.
من جهاز التسجيل القديم، كان صوت فايزة أحمد يملأ المكان:
"بكرة تعرف يا حبيبي إن حقيقي كنت بحبك."
كنت أحب صوت فايزة أحمد.
كنت أستمع إليها وكأن صوتها يفتح بابًا سريًا إلى مكان لا أعرفه. كنت أطير مع الكلمات، أترك الغرفة وأثاثها ووجوهها، وأذهب بعيدًا مع ذلك الصوت الذي كان يعرف كيف يجعل الحزن جميلًا دون أن يكذب عليه.
كان صوتها ينساب في المكان، فيما كانت دموع ابنة عمي تنساب على وجهها.
مدّت يدها إلى جانبها، تحسست علبة المناديل، أخذت منديلًا ومسحت دموعها ببطء.
ثم عادت إلى المرآة.
وهنا بدأت أراقبها.
لم أفهم في البداية ما الذي تفعله.
فتحت حقيبتها.
أخرجت علبة البودرة.
ثم أحمر الشفاه.
ثم أخذت تمشط شعرها.
كانت عيناها حمراوين من البكاء، ووجهها يحمل ذلك التعب الذي يأتي بعد ساعات طويلة من مقاومة شيء لا يمكن مقاومته.
ومع ذلك، كانت تتزين.
وضعت قليلًا من البودرة على وجهها.
ثم قربت المرآة.
مسحت تحت عينيها.
وضعت الكحل.
ثم توقفت لحظة.
نظرت إلى نفسها طويلًا.
كأنها لم تكن ترى امرأة تضع المكياج.
كانت ترى امرأة أخرى تمامًا.
امرأة تحاول أن تفهم:
كيف يمكن للرجل الذي قال لها يومًا "أنت أجمل امرأة في الدنيا" أن يذهب ويمنح امرأة أخرى مكانًا كان يفترض أن يكون لها وحدها؟
رفعت أحمر الشفاه.
مررته على شفتيها بيد ترتجف قليلًا.
كنت أراقبها بدهشة.
كيف تستطيع امرأة أن تبكي بهذه القسوة، ثم تتزين؟
كيف يمكن للحزن أن يجلس في العينين، بينما تحاول اليد أن تجعل الوجه أكثر جمالًا؟
كنت صغيرًا، ولم أكن أعرف أن بعض النساء لا يتزينّ لأنهن سعيدات.
يتزينّ لأنهن مكسورات.
يتزينّ لأنهن يرفضن أن يمنحن الرجل الذي كسرهن متعة رؤية انكسارهن.
كان والدي قد جعلها امرأة أخرى.
منذ طفولتها، كان يقول لها إن المرأة لا تُربّى كي تكون ضعيفة أمام أحد.
علّمها أن تعرف قيمتها.
أن تقف مستقيمة حتى وهي ترتجف.
أن تبكي، نعم، لكن ألا تسمح لأحد أن يجعلها تشعر أنها أقل منه.
وكان يقول لها دائمًا:
"الرجل اللي ما يعرف قيمة زوجته يخسرها، حتى لو بقيت معه."
لم أفهم وقتها معنى تلك الكلمات.
لكنني فهمتها في ذلك المساء.
كانت ابنة عمي تبكي بسبب رجلٍ أحبته.
والدي كان قد ربّاها لتكون قادرة على الوقوف في وجه الرجل الذي أحبته.
وكان المشهد غريبًا إلى حدٍّ لا يزال يعيش في ذاكرتي حتى اليوم.
كانت تبدو كأنها تستعد للخروج إلى مناسبة.
لا كأنها امرأة اكتشفت أن زوجها تزوج عليها.
وضعت عطرها.
عدّلت شعرها.
نظرت إلى نفسها مرة أخرى.
ثم مسحت دمعة نزلت بالرغم منها.
ابتسمت للمرآة.
ابتسامة صغيرة جدًا.
مكسورة.
لكنها كانت ابتسامة.
قلت في نفسي:
لماذا؟
لماذا تفعل كل هذا وهي بهذا الحزن؟
لم أجرؤ أن أسألها.
ربما لأنني كنت أخاف أن تنهار إذا تكلمت.
وربما لأنني كنت أخاف أن تكتشف أنني كنت أراقبها.
لكنها شعرت بي.
التفتت إليّ.
قالت:
— وش فيك تطالع؟
قلت:
— ليش تحطين مكياج؟
سكتت.
ثم نظرت إلى المرآة.
قالت بهدوء:
— عشان ما أخليه يشوفني مكسورة.
لم أفهم.
قلت:
— بس أنتِ تبكين.
ابتسمت.
وقالت:
— البكاء ما يعني إني ضعيفة.
ثم عادت إلى المرآة.
وأكملت وضع أحمر الشفاه.
قالت:
— خلي دموعي لي، ووجهي لي.
بقيت كلماتها عالقة في رأسي.
"خلي دموعي لي، ووجهي لي."
ربما كانت تلك أول مرة أفهم فيها أن الإنسان يستطيع أن يخسر شخصًا، دون أن يخسر نفسه.
كانت فايزة أحمد لا تزال تغني.
والأغنية التي كنت أستمتع بها قبل دقائق، لم تعد مجرد أغنية.
صارت كأنها تحكي عنها.
عن امرأة أحبّت بصدق.
ثم اكتشفت أن صدقها لم يكن كافيًا.
عن امرأة لم تكن مستعدة لأن تكره الرجل الذي أحبته، لكنها لم تكن مستعدة أيضًا لأن تكره نفسها بسببه.
اقتربت منها.
كانت تنظر إلى وجهها في المرآة.
قلت:
— يعني بتسامحينه؟
رفعت عينيها إليّ.
طالت نظرتها.
ثم قالت:
— ما أدري.
وبعد صمت طويل:
— بس أعرف شيئًا واحدًا.
— وشو؟
قالت:
— أنا ما راح أعيش بقية عمري وأنا أسأل نفسي: ليش ما كنت كفاية؟
ثم وضعت أحمر الشفاه في حقيبتها.
وأغلقتها.
نهضت.
مسحت دمعة أخيرة.
وقالت:
— المشكلة مو فيني.
خرجت من الغرفة.
وبقيت أنا وحدي مع صوت فايزة أحمد.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمعت صوتها، أتذكر تلك المرأة التي كانت تبكي أمامي وتضع المكياج في الوقت نفسه.
وأفكر كم كنت صغيرًا حتى أظن أن التناقض غريب.
لم أكن أعرف أن القلب البشري يستطيع أن يحمل شيئين متناقضين في اللحظة نفسها:
أن يحب، وأن يغضب.
أن ينكسر، وأن يتماسك.
أن يبكي، وأن يتزين.
أن يفقد شخصًا، ويصر في الوقت نفسه على ألا يفقد نفسه.
مرت السنوات.
كبرت أنا.
وتغيرت أشياء كثيرة.
تزوجت نساء، وطُلّقت نساء، وأحب رجال نساءً ثم خذلوهن، وبكت قلوب كثيرة في بيوت لم يسمع أحد أصواتها.
لكن صورة ابنة عمي بقيت كما هي.
تلك المرأة أمام المرآة.
عينان حمراوان.
دمعة معلقة على الخد.
وأحمر شفاه أحمر تحاول أن تضعه بيد ترتجف.
كلما تذكرتها، أدرك أنني لم أشاهد يومها امرأة تضع المكياج.
كنت أشاهد امرأة تستعيد ملكية وجهها.
كانت تقول للحياة، دون أن تنطق:
"قد تأخذون مني الرجل الذي أحببته، لكنكم لن تأخذوا مني أنا."
ولعل هذا هو سر بعض النساء.
أنهن لا يضعن أحمر الشفاه ليبدون أجمل أمام الآخرين.
يضعنه أحيانًا كي يتذكرن، أمام المرآة، أنهن ما زلن موجودات.
وأن القلب، مهما تلقى من الطعنات، لا يموت بالضرورة.
أحيانًا، يتعلم فقط كيف يعيش وهو يحمل ندبته.
أما أبي، فربما كان يعرف أكثر مما كنت أعرف.
كان يريد منها ألا تكون امرأة تستطيع أن تقتل زوجها، كما كنت أظن وأنا صغير.
بل امرأة لا تقتل نفسها من أجل زوج.
امرأة تستطيع أن تقول:
"خذ طريقك، وسأكمل طريقي."
حتى لو قالتها والدموع تملأ عينيها.
حتى لو عادت بعد ذلك إلى غرفتها وأغلقت الباب وبكت حتى الفجر.
فالقوة ليست ألا نبكي.
القوة أن نبكي دون أن نسمح لأحد أن يقنعنا بأن دموعنا تعني أننا خسرنا.
وحتى اليوم، حين أتذكر ذلك المساء في أواخر الثمانينيات، لا أتذكر زواج الرجل بأخرى بقدر ما أتذكر امرأة جلست أمام مرآة، وحاولت أن تجمع شظايا نفسها بفرشاة مكياج.
كانت تبكي، وكانت تتزين.
وكان صوت فايزة أحمد يغني في الخلفية.
وكان العالم كله يبدو وكأنه انتهى.
لكن العالم لم ينتهِ.
ففي صباح اليوم التالي، استيقظت ابنة عمي.
غسلت وجهها.
رفعت شعرها.
شربت قهوتها.
وخرجت إلى الحياة.
وربما لم تكن تعرف يومها أنها علمتني درسًا لن أنساه أبدًا:
أن الإنسان لا يختار دائمًا ما يحدث له، لكنه يستطيع أن يختار الصورة التي سيقف بها أمام المرآة بعد أن يحدث كل شيء.
وأن بعض النساء، حين يضعن المكياج فوق دموعهن، لا يخفين الحزن.
إنهن يعلنّ فقط أن الحزن، مهما كان عظيمًا، لن يكون آخر ما يُرى في وجوههن.


