: آخر تحديث
في معادلة الكاتب والناشر والقارئ:

طباعة الكتاب تغير طريقها: هكذا أنشر كتبي!

2
2
2

حملت إليَّ الأخبار، خلال أسابيع قليلة، ما يجعلني أتأمل رحلة بعض كتبي، من زاوية أخرى، إذ صدرت طبعة جزائرية ثانية من رواية "شنكالنامه" عن دار خيال، بعد طبعة دار ضمة، كما بلغني من الدكتور هاني الصلوي أن دار أروقة للطباعة والنشر في القاهرة شرعت في إعداد رواية "جمهورية الكلب" للطباعة، بعد إحراجي للدار إثر منح حق إصدارها في مرحلة سابقة إلى دار عربية أخرى بموافقة أروقة التي أعدتها، آنذاك، للطباعة، وقد استقبلت هذه المبادرات بقدر كبير من الفرح، إذ تمنح مثل هذه الأخبار الكاتب ـ أيًا كان ـ شعورًا بأن الكتاب يواصل حياته مستقلًا عن صاحبه، وأن دور النشر الجادة تتابع ما تراه جديرًا بالوصول إلى قراء جدد من دون حاجة إلى ملاحقة أو تذكير، كما أترفع ـ عادة ـ عن مثل هذا الأمر.

يضم رصيدي اليوم أكثر من أربعين كتابًا توزع ما بين: الشعر والقصة والرواية والنقد والسياسة والسيرة والكتابة عن بعض الشخصيات القريبة مني صداقة أو روحًا، وقد قادتني تجربتي الطويلة في عالم النشر إلى مراجعة علاقتي بالنشر مراجعة هادئة مستندة إلى الوقائع أكثر من الاستناد إلى الانطباعات، إذ وجدت أن الكاتب يحتاج إلى آلية تضمن استمرار حضور كتابه بين القراء بالوتيرة التي يستحقها، بما يتيح له متابعة حركة الإصدار والتوزيع من دون أن يظل رهين الانتظار الطويل الذي قد يمتد أعوامًا كاملة، ومن هنا فقد اتجهت إلى التعاون مع دور نشر دولية تعتمد الطباعة الورقية والإلكترونية ـ في آن ـ وفق نظام الطلب المباشر، حيث يحصل القارئ على نسخته أينما وجد، ويحصل المؤلف ـ في الوقت ذاته ـ على نسخته بالطريقة نفسها، فتغدو العلاقة أكثر وضوحًا، وتتحرك الدورة النشرية بإيقاع ينسجم مع زمن القراءة المعاصر، وفق تصوري، بل وفق ما هو مفروض، بالتناسب مع إيقاع دورة الزمن.

لقد شهدت وعشت، خلال عقود من علاقتي بالنشر، معمعان تجارب أدت بي إلى اتخاذ هذا القرار، إذ طبعت دار عربية معروفة أكثر من كتاب لي، ثم طال انتظار وصول حصتي، بل نسخة واحدة من الدار، أعوامًا، إذ ظل عنواني البريدي خارج حسابات إرسال نسخة المؤلف بذريعة ارتفاع كلفة البريد!!! فوجدتني أستعين بصديق اقتنى لي نسخة من كل كتاب خلال معرض الشارقة الدولي للكتاب، فوصلتني تلك النسخ بعد معاناة وانتظار طويلين، فيما كان تاريخ صدورها يبتعد أكثر فأكثر، بما يحطم ولع الحصول على الكتاب وإهدائه للمقربين.

إذ يعد امتلاك المؤلف نسخًا من كتابه مناسبة تستحق التقدير، طالما أنه يلتقي خلال هذا الكتاب بقارئ يعرفه، وآخر لا يعرفه، أو يصل إلى باحث يحتاج إليه، أو يتحول إلى هدية تحمل امتنانًا لصديق رافق التجربة، وتلك لحظات تمنح الإصدار امتدادًا إنسانيًا وثقافيًا يتجاوز أرقام البيع والإحصاءات، حيث إن الكتاب يكتمل حضوره عبر قارئ يفتح صفحاته، ويحاوره، ويضيف إليه قراءة جديدة.

لقد ازداد حضور وانتشار الكتاب الإلكتروني اتساعًا خلال الأعوام الأخيرة، فغدت آلاف العناوين متاحة بلغات متعددة، وأصبح اقتناء الكتاب يتم خلال دقائق، كما باتت المنصات الرقمية تمنح الناشر والمؤلف قدرة على متابعة حركة الاقتناء بقدر أكبر من الدقة، الأمر الذي يرسخ وعيًا جديدًا بإدارة الكتاب بعد صدوره، ويمنح الكاتب مساحة أوسع لمراقبة دورة عمله الثقافي.

وأذكر ـ هنا ـ بامتنان صديقًا عزيزًا تولى نشر أول كتبي عبر منصة أمازون، وهو د. عبد الغني ليلي، إذ فتحت تلك الخطوة بابًا جديدًا أمام أعمالي، ثم تواصلت التجربة مع دار تاسك، حيث أخبرني مديرها الدكتور عمر الروابحي ـ قبل أيام ـ أن عددًا من كتبي الورقية سيكون حاضرًا في معرضين للكتاب تشارك فيهما الدار. أحدهما في معرض الجزائر الدولي للكتاب، إلى جانب استمرار إتاحتها للراغبين في اقتنائها من أماكن متعددة ورقيًا وإلكترونيًا، وقد وجدت في تلك الآلية صورة أقرب إلى ما أنتظره من النشر المعاصر، إذ يبقى الكتاب قريبًا من قارئه، ويحتفظ المؤلف بإمكان متابعة كتابه من دون حلقات معقدة.

وتقودني الذاكرة إلى تجربة قديمة مع ناشر عرفته قبل أكثر من عقد، إذ كانت النسخ المخصصة للمؤلف تصل كاملة، ثم تظهر نسخ محدودة في أحد المعارض، وبعدها ينسحب الكتاب من المشهد، ويغيب عقد المحاسبة، وتبقى الأسئلة معلقة حول عدد النسخ وحركتها ومصيرها، وقد أسهمت تلك الخبرات المتراكمة في إعادة ترتيب قناعاتي المتعلقة بالنشر، لأن الوقائع تفرض مراجعاتها كلما تراكمت.

وهكذا يبدو أن صناعة الكتاب تدخل مرحلة تتشارك فيها الخبرة التقليدية مع التقنيات الحديثة، حيث يملك الناشر الجاد فرصًا واسعة لتطوير أدواته، ويملك الكاتب خيارات أرحب لمتابعة مؤلفاته، بل وطباعتها بنفسه، ونشرها، ويكسب القارئ قدرة أكبر على الوصول إلى الكتاب أينما كان، وبذلك تتشكل علاقة أكثر توازنًا بين أطراف العملية الثقافية، علاقة تمنح الكتاب زمنًا أطول للحضور، وتمنح صاحبه اطمئنانًا أكبر إلى أن جهده يجد طريقه إلى قارئ ينتظره.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات