: آخر تحديث

اثنا عشر عامًا.. حتى أصبح الحلم واقعاً

3
3
2

ربما أجمل ما تمنحنا إياه ذكرى البيعة أنها تجعلنا نتوقف قليلًا.

ليس لنعدّ السنوات، ولا لنستعرض قائمة من الإنجازات، بل لننظر حولنا ونسأل أنفسنا:

هل نتذكر فعلًا كيف كانت السعودية قبل اثني عشر عامًا؟

أفكر في هذا السؤال، وأكتشف أن أصعب ما في التحولات الكبيرة أننا نعتادها.. نعتادها حتى ننسى أنها كانت يومًا حلمًا، أو فكرة بعيدة، أو شيئًا لم نتوقع أن نراه بهذه السرعة.

نعتاد أن تخرج ابنتنا صباحًا، تقود سيارتها إلى عملها، وتجلس في اجتماع، وتقود فريقًا، وتؤسس مشروعًا، وتنافس في سوق أصبح يسأل عما تستطيع أن تقدمه.

وننسى أن مشاركة المرأة في سوق العمل كانت عند انطلاق رؤية 2030 نحو 22.8%، وأن المستهدف كان الوصول إلى 30% بحلول 2030. تحقق قبل موعده، ورُفع الطموح إلى 40%، ووصلت المشاركة في 2025 إلى نحو 35%.

لكن الرقم، مهما كان مهمًا، لا يقول كل شيء.

أنا لا أرى في الـ 35% نسبة فقط. أرى ابنة أصبحت خياراتها أوسع، وأمًا أسست مشروعها، وطبيبة ومهندسة وقيادية، وأسرة تغيرت حياتها، ووطنًا اكتشف طاقة كانت تنتظر أن تُفتح أمامها الأبواب.

وهذا هو الفرق بين أن تقرأ التحول في تقرير، وأن تعيشه.

ونفعل الشيء نفسه مع السياحة.

أصبح من الطبيعي أن نرى زائرًا من أقصى العالم يتجول في العلا، أو يمشي في الدرعية، أو يكتشف البحر الأحمر وعسير وجدة والرياض.

نراه ونمضي.

لكن قبل سنوات قليلة فقط، لم تكن التأشيرة السياحية التي نعرفها اليوم موجودة. ثم تجاوزت المملكة في 2023 100 مليون سائح محلي ودولي، محققة مستهدفًا كان مقررًا لعام 2030 قبل سبع سنوات من موعده، فارتفع الطموح إلى 150 مليون زيارة سنويًا.

والمسألة بالنسبة لي ليست عدد السياح.

الأجمل أن العالم بدأ يرى وطننا كما نراه نحن؛ يرى تاريخًا نعرفه، وطبيعة نعرف جمالها، وثقافة نعيشها، وكرمًا لا نحتاج أن نشرحه لبعضنا.

كأن أبواب البيت فُتحت، وقلنا للعالم: تفضلوا... هذه السعودية.

ثم انظروا إلى الرياض.

أخبار كان يمكن أن تبدو لنا قبل سنوات استثنائية تمر علينا اليوم وكأنها طبيعية: مؤتمر عالمي، بطولة دولية، شركة كبرى، قائد يزور المملكة، حدث تقني، موسم، مشروع جديد.

وفزنا باستضافة إكسبو 2030، ثم كأس العالم 2034.

فرحنا، ثم بدأنا نسأل: وما التالي؟

وهنا أدركت شيئًا ربما يكون أهم من كل رقم:

أكبر ما تغيّر في السعودية خلال هذه السنوات ليس فقط ما أصبح ممكنًا.. بل سرعة اعتيادنا على ما كان يومًا يبدو مستحيلًا.

وهذه القصة لم تبدأ من مشروع أو فعالية.

بدأت من قيادة.

عندما بويع سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز ملكًا، لم نكن نعرف كيف ستبدو المملكة بعد هذه السنوات. لكننا نعرف اليوم أن عهده احتضن واحدة من أكثر مراحل تاريخ المملكة الحديث تغيرًا وتسارعًا.

ومن قلب هذا العهد، انطلقت في 2016 رؤية السعودية 2030 بقيادة سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان.

وقتها قرأنا المستهدفات والأرقام والبرامج.

أما اليوم، وبعد نحو عشر سنوات، فأعتقد أن أثرها الأكبر يمكن أن نراه خارج صفحات التقارير:

لقد رفعت سقف ما نعتقد أنه ممكن.

وهذا بالنسبة لي هو التحول الحقيقي.

أن يكبر شاب سعودي وهو لا يرى مستقبله في وظيفة ينتظرها فقط، بل في شركة يستطيع أن يؤسسها، وصناعة يستطيع أن يدخلها، وعالم يستطيع أن ينافس فيه.

وأن تكبر فتاة سعودية وهي ترى أمامها من الاحتمالات أكثر بكثير مما كان متاحًا للجيل الذي سبقها.

وأن تنظر مدينة إلى نفسها فلا تسأل فقط ماذا تحتاج اليوم، بل ماذا تريد أن تكون بعد عشرين عامًا.

وأن ينظر وطن كامل إلى المستقبل بثقة مختلفة.

وليس معنى ذلك أن كل شيء اكتمل، أو أن الطريق بلا تحديات. بل ربما أجمل ما يحدث أننا كلما وصلنا إلى مستهدف، ارتفع المستهدف الذي يليه.

ولهذا نظلم هذه السنوات إذا اختصرناها في حجم الاقتصاد، أو عدد المشاريع، أو السياح، أو الوظائف.

فهناك أشياء لا تستطيع الأرقام قياسها بسهولة.

كيف نقيس ارتفاع سقف الطموح لدى مجتمع كامل؟

كيف نقيس تغير نظرة الإنسان إلى وطنه وإلى قدرته هو على المشاركة في مستقبله؟

وكيف نقيس شعور السعودي عندما يسافر فيجد بلاده حاضرة في الحديث العالمي، ثم يعود فيرى العالم يأتي إليها؟

ربما لا توجد وحدة قياس لذلك.

لكننا نشعر به.

نشعر به عندما نرى علمنا في محفل عالمي، وعندما نسمع اسم السعودية، وعندما ننظر إلى أبنائنا وبناتنا وندرك أن مساحة الفرص أمامهم أصبحت أوسع مما كانت أمام أجيال سبقتهم.

ولهذا، في ذكرى البيعة، لا أريد أن أكتب قائمة بما تحقق.

أريد فقط أن أتوقف للحظة وأقول: الحمد لله.

الحمد لله على وطن آمن في عالم مضطرب، وعلى قيادة آمنت بشعبها، وعلى شعب أثبت أنه على قدر هذا الطموح.

وشكرًا سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، على عهد احتضن هذا التحول، وعلى وطن بقي ثابتًا في قيمه وهو يتغير بهذه السرعة.

وشكرًا سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لأنك لم تجعلنا نحلم بسعودية مختلفة فقط، بل جعلتنا نعيش أجزاءً من ذلك الحلم حتى أصبحت بالنسبة لأبنائنا وبناتنا حياة عادية.

اثنا عشر عامًا مضت.

وعندما ننظر إلى المسافة بين السعودية آنذاك والسعودية اليوم، ندرك أن القصة أكبر من إنجازات نعددها أو أرقام نحتفل بها.

لقد تغيّر حتى ما نعتقد أنه ممكن.

وربما أجمل ما في هذه القصة أنها لم تكتمل بعد.

فإذا كان ما كان يبدو مستحيلًا بالأمس أصبح عاديًا اليوم... فكيف ستكون السعودية التي سنعتبرها عادية غدًا؟


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد