صيغة الشمري
تمنيت أن كل من يحمل همّ وطنه ينجح في تحويل ذلك الهم إلى مشروع حياة، مثل الدكتورة عائشة المانع التي فعلت ذلك بامتياز.
حيث آمنت منذ سنواتها الأولى بأن المرأة السعودية ليست قضيةً تبحث عن التعاطف، بل طاقة تنتظر الفرصة، وأن المجتمع لا ينهض بنصفه، بل بكامل أبنائه وبناته.
ولدت في زمنٍ كانت فيه فرص تعليم الفتاة محدودة، لكن إيمان والدها بأهمية العلم، وإصراره على أن تكون ابنته قادرة على خدمة وطنها، شكّل نقطة التحول الأولى في حياتها. حملت وصيته معها أينما ذهبت، فدرست في الخارج، وحصلت على أعلى الدرجات العلمية، ثم عادت لتجعل من علمها رسالة، لا مجرد شهادة، ومن نجاحها مسؤولية، لا امتيازًا شخصيًا.
ولم يكن طريقها مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالتحديات الاجتماعية والثقافية التي واجهت كثيرًا من نساء جيلها.
لكنها لم تختر الصدام، بل اختارت الإقناع، ولم تبحث عن الأضواء، بل عن الأثر. كانت تؤمن أن التغيير الحقيقي يبدأ بالتعليم،.
وبرزت ريادتها في أكثر من ميدان؛ ففي القطاع الصحي أسهمت في تطوير المؤسسات الطبية والتعليم الصحي، وفي المجال الأكاديمي عملت على إعداد أجيال جديدة من الكفاءات الوطنية، أما في العمل الاجتماعي فقد جعلت من تمكين المرأة محورًا ثابتًا في مشاريعها ومبادراتها، إيمانًا منها بأن تعليم امرأة واحدة قد يغيّر مستقبل أسرة كاملة، وربما مجتمع بأسره.
ولعل أجمل ما يميز شخصية د.عائشة المانع أنها لم تجعل نجاحها نهاية الرحلة، بل بداية لمسؤولية أكبر.
فقد آمنت بأن الريادة الحقيقية هي أن تفتح الطريق لمن يأتي بعدك، وأن يكون الإنجاز قابلًا للاستمرار، لا مجرد قصة نجاح فردية.
لذلك حرصت على دعم التعليم والبحث العلمي، وأطلقت مبادرات ومنحًا تهدف إلى إعداد قيادات نسائية جديدة قادرة على مواصلة المسيرة.
واليوم، حين نتأمل مسيرة الدكتورة عائشة المانع، لا نجد مجرد سيرة امرأة ناجحة، بل نقرأ فصلًا مهمًا من تاريخ التحول الاجتماعي في المملكة.
إنها قصة امرأة حملت همّ وطنها، فصنعت بهمة لا تعرف التراجع مسيرةً ألهمت أجيالًا كاملة، وأثبتت أن الإيمان بالفكرة، حين يقترن بالإرادة والعمل، قادر على تغيير الواقع.
وبين الهم والهمة، اختارت عائشة المانع أن تجعل همّها وقودًا لهمتها، فكانت واحدة من الرائدات اللاتي لم يكتفين بقراءة التاريخ، بل أسهمن في كتابته. وسيبقى اسمها شاهدًا على أن الأوطان تُبنى بالعقول المؤمنة، والإرادات الصلبة، والنساء اللاتي يؤمنّ بأن خدمة الوطن أعظم من أن تكون خيارًا… إنها رسالة حياة.
دفعني لكتابة هذا المقال، عندما شاهدت الدكتورة عائشة المانع في آخر حوار تلفزيوني لها، تتحدث بحزن وهم عن بعض الذين يحاولون تعطيل مشاريعها الإنسانية التي قدمتها للوطن، قدمتها تنفيذا لوصية والدها، هذه الرائدة والملهمة والمعطاءة تستحق أن نقف معها ونحييها على كل ماقدمته من أجلنا.

