ما بين متعة مونديال كأس العالم التي ودعناها، والتوترات المتصاعدة التي تعيشها منطقتنا منذ فترة بسبب الاعتداءات الإيرانية، وجدت نفسي أتساءل، هل ما زلنا نتابع القنوات الإخبارية بنفس الطريقة اللي تعودنا عليها قبل سنوات؟!.
فمنذ اندلاع الأزمة الأخيرة، وكالمعتاد مع هذه الأحداث سارعت القنوات الإخبارية إلى تغطية الأحداث على مدار الساعة، واستضافت عشرات المحللين السياسيين والعسكريين، إلا أن كثيرًا من النقاشات بدت متشابهة، بينما كان الخبر يصل إلى الجمهور أولًا عبر منصات التواصل الاجتماعي، ورغم أهمية هذه التغطيات، على المستوى الشخصي وجدت نفسي، وربما كثيرون غيري، لم أعد اتابع الاخبار لساعات طويلة أحياناً كما كنت بالسابق!.
وتعودت أنني أصبحت أبحث عن أي خبر عاجل أو تطور سياسي، ان أتجه إلى الحسابات الرسمية والموثوقة على وسائل التواصل الاجتماعي، أتابع ما أريد خلال دقائق، وربما خلال ثوان، ثم أعود إلى حياتي اليومية، تعودت أن لا أنتظر نشرة أخبار، ولا برنامجًا تحليليًا يمتد ساعة أو ساعتين، ولا مجموعة من المحللين يكررون الأفكار نفسها مع كل تطور جديد..!!.
ولا أدري إن كان هذا التحول يخصني وحدي، أم أنه أصبح سلوكًا عامًا لدى كثيرين. فالمشاهد اليوم يريد الخبر سريعًا، مختصرًا، وفي الوقت الذي يختاره، ومن خلال أجهزته الذكية التي ترافقه أينما كان.
ومن الطريف أنني أنتمي إلى جيل كان يعتمد على وجود قناة تلفزيونية رسمية واحدة فقط، وكانت النشرة الإخبارية موعدًا يوميًا لا يفوت، حتى وإن تضمنت أخبارًا بعيدة عن اهتماماتنا، كحادث إنقلاب حافلة في بنغلاديش، أو غرق عبارة في الهند.!!.
لم يكن لدينا خيارات أخرى، أما اليوم فقد أصبح العالم كله في متناول اليد وبصورة سريعة، وهذا التطور الذي نعيشه ليس مجرد، واعتمدت عليها مؤخراً باهتماماتي بما يتعلق متابعتي الإخبارية ليس انطباع شخصي، بل تؤكده الأرقام والاحصائيات العالمية.
فتقرير معهد رويترز لدراسة الصحافة لعام 2026، أكد أن منصات التواصل الاجتماعي والفيديو أصبحت للمرة الأولى المصدر الأكثر استخدامًا للحصول على الأخبار عالميًا بنسبة 54 %، متقدمة على التلفزيون الذي تراجع إلى 52 %، فيما بلغت نسبة الاعتماد على مواقع وتطبيقات المؤسسات الإعلامية 51 %، كما أظهر التقرير استمرار انخفاض الاهتمام بالأخبار، وارتفاع نسبة من يتجنبون متابعتها مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما يعكس تغيرًا حقيقيًا في سلوك الجمهور…!!.
وهذا من وجهة نظري تحدي حقيقي للقنوات الفضائية الإخبارية لانها لم تعد تنافس بعضها البعض فقط، بل أصبحت تنافس نمطًا جديدًا لاستهلاك الأخبار، تفرضه الأجهزة الذكية، وتدعمه الخوارزميات، ويمنح المشاهد حرية اختيار الخبر وتوقيته وطريقة متابعته.
ولا يعني ذلك أن القنوات الإخبارية فقدت أهميتها، لانها لازالت الأكثر قدرة على التحقق من المعلومات، وإرسال المراسلين، وتقديم التغطية الاحترافية والتحليل الرصين، خصوصًا في الأزمات الكبرى، لكن امتلاك الخبر لم يعد كافيًا، لأن الجمهور لم يعد يستهلكه بالطريقة نفسها.
والقضية هنا ليست إعلامية فقط، بل اقتصادية أيضًا، فالقنوات الإخبارية الفضائية تستثمر مئات الملايين في الاستوديوهات، والأقمار الصناعية، ومراكز البث، والمكاتب الخارجية، والمراسلين، والتقنيات، والكوادر البشرية، بينما أصبحت تنافس منصات رقمية تصل إلى الجمهور في ثوان، وبتكلفة أقل بكثير.
لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل ستختفي القنوات الإخبارية؟، ولكن هل تستطيع إعادة بناء نموذجها الإعلامي والاقتصادي ليتناسب مع سلوك الجمهور الجديد؟، فالمستقبل لن يكون لمن ينقل الخبر أولًا فقط، بل لمن يقدمه بسرعة، ويضيف إليه قيمة، ويحافظ في الوقت نفسه على المصداقية والمهنية.
فالعالم يتطور باستمرار، والإعلام يتغير معه، والقنوات الإخبارية التي تنفق الملايين على بنيتها التقليدية مطالبة اليوم بأن تستثمر بالقدر نفسه في مستقبلها الرقمي، لأن الخطر الحقيقي ليس في فقدان القدرة على إنتاج الخبر، بل في فقدان الجمهور الذي لم يعد ينتظرها أمام الشاشة، ومن الممكن ان لا يكون مستقبل القنوات الإخبارية في بناء استوديو أكبر، بل في الوصول بذكاء إلى شاشة أصغر.

