: آخر تحديث

ساحة الصراع الجديدة

11
12
10

لا تقف آثار الحروب عند حدود ساحات القتال، فهي تمتد إلى الموانئ، وخطوط الملاحة، ومنشآت الطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسواق المال، وتقديرات الأمن الوطني، ومع كل موجة تصعيد تتشكل خرائط جديدة للمصالح، وتكتسب الجغرافيا البحرية قيمة استراتيجية أكبر، وتتقدم الممرات البحرية إلى قلب المشهد السياسي الدولي. وفي هذا السياق تكتسب مقولة المفكر الأميركي ووزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر: «الاستقرار ليس غياب الصراع، بل القدرة على إدارته» حضورًا واضحًا، إذ تعكس طبيعة المرحلة التي يعيشها الخليج، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الأمن الاقتصادي، وتتصدر إدارة التصعيد جدول الأولويات الإقليمية والدولية.

دخلت قواعد الاشتباك بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة أكثر دقة، تتسم بضربات محسوبة ورسائل استراتيجية متبادلة، وتحمل طبيعة الأهداف المختارة، وتوقيت العمليات، ومستوى الخطاب السياسي مؤشرات على تطور في إدارة المواجهة، وتبقى مساحة التحرك مفتوحة أمام خيارات متعددة، في ظل بيئة إقليمية تتسم بسرعة التغير وحساسية القرارات العسكرية والسياسية.

وتؤدي دول الخليج دورًا رئيسًا في تعزيز الاستقرار الإقليمي وحماية أمن الممرات البحرية، ويبرز الدور السعودي في دعم أمن الملاحة الدولية، والمحافظة على استقرار أسواق الطاقة، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، ودعم الجهود الرامية إلى خفض التوتر، وتمثل هذه الرؤية ركيزة مهمة لحماية المصالح المشتركة، وترسيخ بيئة أمنية أكثر استقرارًا في منطقة تشكل أحد أهم المراكز الاستراتيجية في العالم.

تتجه المنطقة إلى مرحلة تتصدر فيها إدارة المخاطر المشهد الاستراتيجي أكثر من إدارة الأزمات التقليدية، ويحمل أمن الممرات البحرية، وأمن الطاقة، وحماية البنية التحتية الرقمية، أهمية متزايدة في حسابات القوى الكبرى والدول الإقليمية. وتفرض السنوات المقبلة حضورًا أوسع للتقنيات العسكرية والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة في حماية المجالين البحري والجوي، ويعزز هذا التحول مكانة الخليج بوصفه مركزًا رئيسًا في معادلة الأمن الدولي، ويمنح المملكة مساحة أكبر لترسيخ دورها في حماية استقرار المنطقة، ودعم أمن الملاحة، وصياغة مبادرات إقليمية تعزز الأمن الجماعي وتفتح آفاقًا أكثر رسوخًا للاستقرار والتنمية.

تفرض المرحلة الراهنة مبادرة خليجية عاجلة، تقوم على تحييد مضيق هرمز والممرات البحرية والمنشآت النفطية والموانئ عن أي عمليات عسكرية لمدة محددة، بضمانات إقليمية ودولية، مع إنشاء غرفة عمليات بحرية مشتركة تعمل على مدار الساعة لرصد الحوادث والتحقق منها وتنسيق الاستجابة الفورية لها. وتمثل هذه المبادرة خطوة عملية لاحتواء التصعيد، وحماية أمن الملاحة الدولية، والمحافظة على استقرار أسواق الطاقة، وإيجاد مساحة دبلوماسية تتيح خفض التوتر ومنع انتقال الأزمة إلى مرحلة أكثر اتساعًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد