يقع بعض قادة الدراجات والدول في خطأين يؤديان إلى عكس الغرض منهما. يريد أن يدفع العجلة بسرعة، فيستخدم أقوى عضلات لديه، وهي في حالة الدراجة عضلات الفخذ. وهذا خطأ كبير. يبدو استخدام عضلات الفخذ القوية بديهياً لقليل الخبرة ولا سيما وهي مرتاحة في بداية الرحلة، ينسى أنها أيضاً مستهلكة للطاقة، وعُرضة للإجهاد والتقلصات. وربما يجهل أن القوة الدافعة للدراجة محصلة لقوى عدة. أولها ثقل الرجلين. ولكي تستفيد من هذا الثقل عليك أن تتمهل حتى يدور البدّال دورته، ويبدأ منحنى النزول، فتجعل الجاذبية في صالحك. لن يكون مطلوباً منك بعد ثقل الرجلين والجاذبية إلا القدر الضئيل من الجهد العضلي.
هذا التكنيك الصحيح يمكّنك من الاستمرار والتركيز وتأدية المهمة، والعودة إليها في اليوم التالي إن احتاجت. إتقان الحرفة يستلزم معرفة بتفاصيل تمكنك من تنفيذ المهارة بأفضل كفاءة ممكنة. متى تستخدم القوة؟ ومتى توفرها؟ ومتى تترك قوانين الواقع تعمل لصالحك؟
والفارق بين القوة والتكنيك ليس بسيطاً، في التنفيذ وفي النتائج، لكنه مهمل غالباً تحت ضغط الحماسة. وهي ظاهرة نراها في كل نشاط في الحياة تقريباً، من الحب إلى الحرب، ومن إدارة الشركات إلى إدارة الدول. نكتشف بعد فوات الأوان أن الاندفاع الحماسي ليس أكثر من غشم محض، لا يبرره بذل العرق، ولا يعفيه من المسؤولية عن الإخفاق. بينما تحقيق النتائج يعتمد على فهم التركيب، وفهم السوق، وفهم المجتمع، وفهم العلاقات الدولية، وفهم الأفراد، وفهم طموحات الدول والجماعات المحيطة، وفهم مسار التقدم العلمي وتطور الأفكار من حولك.
والحماسةُ لا تكتفي بخطيئته الأصلية تلك، وإلا ما سميناها حماسةً. بل يكمل اندفاعه لكي يكون المتحدث الوحيد، والفاعل الوحيد، والوطني الوحيد، والصادق الوحيد. والدليل انظروا، لا يكاد ينام، يعمل من الخامسة صباحاً إلى منتصف الليل. وهي صفات لا غنى عنها، لكنها لا تغني عن المعرفة، بل تضاعف تأثير الجهل حين تقترن به.
والاندفاع الحماسي لا يعدم وسائل يغطي بها على فشله، فهو وإن فشل في المهمة الأساسية فقد حمى الشعار أو قاوم الغطرسة العالمية أو ضحى بروحه. كلها أغراض لم نطلبها منه. طلبنا منه إدارة العجلة، ودفعها إلى الأمام. الدلالة الوحيدة للجوئه لتلك العناوين أن هذا ما يعرفه، لا يعرف الأدوات المعاصرة الخاصة بمهمته وإلا لتحدث إلينا بها، ولم يحقق الرفاهية للبشر المسؤولين منه، ولم يتركهم ليحققوا هذه الرفاهية لأنفسهم. فعل بالضبط ما فعله قائد الدراجة المتحمس، استنزف القوة في اتجاهات خاطئة وبمعدل خاطئ، وأجهد نفسه، والآن يُسخّر ما تبقى له من طاقة في البقاء، وفي إسكات المتضررين.
الاتحاد السوفياتي، وعراق صدام حسين، وإيران بميليشياتها، ليست أمثلة على نقص في القوة بل على سوء استخدامها. كلها امتلكت عضلات ضخمة، لكنها ضغطت بها على البدّال في الاتجاه الخطأ وفي التوقيت الخطأ. فتحولت القوة نفسها إلى عبء. وفي النهاية لم تسقط الدراجة لأن قائدها كان ضعيفاً، بل لأنه أهمل التكنيك، ولم يعرف كيف يجعل قوانين الحركة تعمل لصالحه.

