موسى بهبهاني
عظّم الله أجوركم أهل قطر الحبيبة، وكما ذكر في الأثر، بأن الفقد والفراق صعب جداً وهو أشد من الموت الذي يأخذ منا الأهل والأحبة، إنما عزاؤنا في فقد الأحبة هو الصبر والدعاء لهم بالرحمة والمغفرة، ونردد قوله تعالى:
«إنّا لله وإنّا إليه راجعون»
فبها يمنح القلب طمأنينة عظيمة، وتذكير بأننا جميعاً عائدون للمولى عز وجل.
«كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ»
فالمرحوم الشيخ الوالد / حمد بن خليفة آل ثاني، طيّب الله ثراه، انتقل من دار الدنيا إلى دار الآخرة تاركاً بصمة لا تنسى في تاريخنا المعاصر فهو مؤسس دولة قطر الحديثة.
البصمة الأولى
بدعم من الأسرة الحاكمة تولى المرحوم الشيخ / حمد بن خليفة آل ثاني، مقاليد الحكم في قطر في 27 يونيو 1995 خلفاً لوالده الشيخ / خليفة آل ثاني، وشكّل حكومة جديدة.
قائلاً:
«الله يعلم ما أردت السلطة غاية في ذاتها، ولا سعيت إليها لدوافع شخصية، بل هي مصلحة الوطن أملت علينا أن نعبر به إلى مرحلة جديدة».
حكمَ الشيخ حمد، دولة قطر لفترة 18 عاماً، قاد فيها تحولات اقتصادية وسياسية كبرى، فانتقلت دولة قطر من شبه صحراء غير معروفة إلى دولة ذات ثروة هائلة ونفوذ عالمي واسع.
فتحولت قطر إلى أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال في العالم، وقفز الناتج المحلي بالتوازي مع صناديق الثروة السيادية إلى أعلى مستوياتها ما ظهر أثره على نصيب الفرد من الدخل، وبالتالي انعكس على المجتمع والدولة.
واستثمر تلك الموارد في أصول إنتاجية ومؤسسات مالية وبنية تحتية، مع تأسيس جهاز قطر للاستثمار وامتدت استثماراتها إلى المصارف الكبرى وشركات السيارات والأندية العالمية والازدهار العمراني والاقتصادي والاجتماعي.
البصمة الثانية
في 25 يونيو 2013، تنازل الأمير الوالد الشيخ/ حمد بن خليفة آل ثاني، عن السلطة طواعية عبر خطاب متلفز وجّهه للشعب القطري، وأعلن تخليه عن السلطة وتسليمها لابنه ولي العهد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني.
من خطابه:
«إنني اليوم أخاطبكم كي أعلن أني أسلم مقاليد الحكم للشيخ / تميم بن حمد آل ثاني، وأنا على قناعة تامة أنه أهل للمسؤولية وجدير بالثقة وقادر على حمل الأمانة وتأدية الرسالة».
وأضاف: «حان الوقت أن نفتح صفحة جديدة أخرى في مسيرة وطننا يتولى فيها جيل جديد المسؤولية بطاقاتهم المتوثبة وأفكارهم الخلاقة».
وختم: «بأن الأمير الجديد سيضع مصلحة الوطن وخير أهله نصب عينيه، وستكون سعادة الإنسان القطري غايته الأولى على الدوام، ها هو المستقبل أمامكم إذ تنتقلون إلى عهد جديد ترفع الراية فيه قيادة شابة، تضع طموحات الأجيال القادمة نصب عينيها، وتعمل دون كلل أو ملل من أجل تحقيقها».
وأكمل الأمير الشيخ / تميم بن حمد آل ثاني، مسيرة العطاء والنهضة، ليقود دولة قطر نحو مزيد من التقدم والازدهار في المجالات كافة، خصوصاً في المجال الرياضي باستضافة كأس العالم لكرة القدم عام 2022، والذي يعد إنجازاً تاريخياً كبيراً، كانت هذه هي المرة الأولى التي تقام فيها البطولة في العالم العربي والإسلامي والشرق الأوسط، ما أتاح عرض الثقافة والضيافة العربية لملايين المشجعين.
اعتبر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) هذه النسخة الأفضل على الإطلاق في تاريخ البطولة.
التفرد النادر
تفرّدت دولة قطر تفرداً نادراً في العالم العربي والإسلامي، فهي الدولة الوحيدة التي جمعت ثلاثة حكام وهم على قيد الحياة متعايشين معاً في الوطن:
1/ المرحوم الحاكم السابق الشيخ / خليفة آل ثاني ( طيّب الله ثراه) فترة الحكم من (22 فبراير 1972، وظل في السلطة حتى 26 يونيو 1995 ) توفي في دولة قطر في أكتوبر 2016.
2/ المرحوم الحاكم السابق الشيخ / حمد بن خليفة (طيّب الله ثراه) فترة الحكم من (26 يونيو 1995 وظل بالسلطة حتى يونيو 2013).
توفي في دولة قطر في يوليو 2026.
3/ أمير الدولة الحالي الشيخ / تميم بن حمد (حفظه الله ) تولى الحكم بعد تنحي والده في يونيو 2013.
القرار الجريء
ذكر المقربون من الشيخ المرحوم الأمير الوالد / حمد بن خليفة آل ثاني، بأنه كان متخذاً قرار الابتعاد عن الحكم والسلطة وهو في قمة القوة والعطاء، وقد بدأ قبل 3 سنوات من التنحي بتكليف ولي العهد الشيخ -تميم- بمعظم المهام، وعندما اطمأن بأنه قادر على حمل الأمانة وإدارة الوطن، قرر اتخاذ القرار الطوعي الحازم بالتنحي عن الحكم، وسلم السلطة وهو مرتاح الضمير تماماً بأن قطر ستكون بأيدٍ أمينة، وابتعد تماماً عن السلطة والمشهد السياسي، مختاراً الحياة العادية كمواطن، وقد كسب محبة شعبه له، وكان الوفاء حاضراً في يوم وداعه.
الكويت وقطر
الكويت تجمعها مع الشقيقة قطر، علاقات متفردة.
وأعلن صاحب السمو الشيخ / مشعل الأحمد الجابر الصباح ( حفظه الله) أمير دولة الكويت، الحداد الرسمي وتنكيس الأعلام لأربعة أيام، سائلاً المولى عز وجل أن يتغمد فقيد دولة قطر صاحب السمو الوالد الشيخ / حمد بن خليفة آل ثاني، بواسع رحمته وغفرانه وأن يسكنه فسيح جناته وأن يجزيه عما قدمه لأمته خير الجزاء.
ونرفع أسمى آيات التعازي إلى الشعب القطري الشقيق قيادةً وحكومةً وشعباً وعظم الله أجوركم وأحسن الله عزاءكم.
﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ . وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإكْرَام﴾.
إنّ الموت في هذه الدنيا نهاية كل حي وختام كل شيء...
وما الدهرُ إلا كرُّ يوم وليلة
وما الموت إلّا نازل وقريب
«إنّا لله وإنّا اليه راجعون»

