: آخر تحديث

زيارة عون واشنطن فرصة لا تحتمل الضبابية

9
11
9

تكتسب زيارة الرئيس اللبناني جوزيف عون إلى واشنطن أهمية استثنائية، ليس لأنها الزيارة الرئاسية الأولى من هذا المستوى منذ سنوات، بل لأنها تأتي في لحظة إقليمية عاد فيها لبنان إلى صدارة الاهتمام الأميركي بعد عقود من تراجع موقعه على سلم الأولويات. إلا أن هذا الاهتمام لا يعكس تحولاً دائماً في السياسة الأميركية تجاه لبنان، بقدر ما يعكس تداعيات الحرب الأخيرة وما كشفته من مخاطر استمرار وجود «حزب الله» قوة عسكرية خارج الدولة، وانعكاس ذلك على أمن إسرائيل والتوازنات الإقليمية. لذلك ينبغي الحذر والتحوط من محاولات تخريب الزيارة بافتعال أحداث أمنية في الداخل أو مع إسرائيل في الجنوب في خلالها.

لا تبدو الزيارة مجرد محطة في العلاقات الثنائية هدفها التأكيد على المطالب اللبنانية، بل اختبار لقدرة الدولة على إقناع واشنطن بأنها ماضية في استعادة سيادتها، وأنها شريك يمكن الاستثمار فيه سياسياً وأمنياً واقتصادياً.

يملك عون عناصر قوة لم تتوافر لأسلافه. فمواقف رئيسي الجمهورية والحكومة تتقاطع، للمرة الأولى بعد سنوات من الانقسام والتردد، حول أولوية حصرية السلاح واستكمال تنفيذ القرارات ذات الصلة، بما ينسجم مع ما تطالب به الولايات المتحدة وشركاؤها العرب والغربيون، ليعيد بناء الثقة مع المجتمع الدولي.

ولا يقتصر الأمر على السلاح، بل يمتد إلى الالتزام بتنفيذ اتفاق الإطار المبرم مع إسرائيل برعاية أميركية. فالهدف الاستراتيجي للاتفاق لا يقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، بل يتجه نحو بناء سلام، وقد وردت كلمتا «السلام» و«السلمي» عشر مرات في نص الاتفاق، فيما يعكس استخدام تعبير «غير قابل للتراجع» سعياً إلى تحويل هذا المسار إلى خيار دائم، وهو ما يفسر تمسك واشنطن بدور محوري في متابعة التنفيذ وحمايته.

لكن نجاح الزيارة لن يتوقف على ما سيقال في البيت الأبيض، بل على ما سيحمله الرئيس معه إلى واشنطن التي تعرف ما تريده من لبنان، لكن السؤال، هل حسم لبنان ما يريده من نفسه؟

أهم ما ينبغي أن يحمله الرئيس هو تبديد الانطباع بوجود تردد في الانتقال من المواقف إلى التنفيذ، رغم استمرار الانقسام الداخلي حول حصرية السلاح والتساؤلات بشأن قدرة الدولة، لا سيما الجيش، على فرض قراراتها. وهنا تبرز أهمية تشديد الرئيس على المزيد من الضغوط الأميركية على إسرائيل للالتزام بالمناطق النموذجية والانسحابات.

كذلك لو يُقدّر للرئيس أن يحظى بالغطاء العربي، لا سيما الخليجي، لمشروع استعادة الدولة. صحيح أن هذه الدول منشغلة بالتهديدات الإيرانية المتصاعدة، لكن هذه التهديدات نفسها تجعل استعادة الدولة اللبنانية جزءاً من منظومة الأمن العربي، لا مجرد شأن لبناني داخلي. ومن شأن الموقف العربي الداعم أن يعزز موقع الرئيس التفاوضي ويمنح واشنطن ثقة أكبر بأن لبنان لا يسير منفرداً في هذا المسار.

أما الأمر الثالث، فهو قناعة السلطة اللبنانية أن لبنان لم يعد قادراً على البقاء في المنطقة الرمادية بين المشروع الإيراني والعالمين العربي والغربي. فقد استنفدت سياسة التوازن هذه أغراضها، وأنتجت عزلة سياسية وخسائر اقتصادية وانقسامات داخلية. والمطلوب اليوم رؤية استراتيجية واضحة تخرج لبنان من العباءة الإيرانية وتحدد موقعه ضمن محيطه العربي، وتؤكد أن علاقاته مع الولايات المتحدة والغرب خيار استراتيجي يخدم استقرار الدولة ونموها، لا مجرد تحالف ظرفي تفرضه الأزمات.

ولا يقل أهمية عن ذلك تأكيد الرئيس أن حصرية السلاح أصبحت شرطاً لاستعادة السيادة وبناء دولة قادرة. ولن يكون كافياً إعادة التأكيد على هذا المبدأ، بل إظهار إرادة سياسية تحوله إلى خطوات تنفيذية، لأن ما يقلق شركاء لبنان هو استمرار التردد لا غياب المواقف. كما التشديد على أن الالتزام بالتفاهمات التي أبرمت مع إسرائيل برعاية أميركية ليست مجرد تنفيذ ترتيبات أمنية، بل مدخل إلى استقرار دائم يتيح إعادة الإعمار، وتحريك الاقتصاد، وجذب الاستثمارات، وإعادة بناء الثقة بلبنان.

إن شراكة طويلة الأمد مع واشنطن ينبغي ألّا تقتصر على مساعدات الجيش وتعزيز المؤسسات، بل تشمل مكافحة الإرهاب، وضبط الحدود، ومواجهة الاقتصاد غير المشروع. فواشنطن لن تستثمر في دولة مترددة، لكنها ستستثمر في دولة تمتلك رؤية واضحة لاستعادة سلطتها. من المؤمل أن يتمكن عون من تقديم أدلة مقنعة على التزامه بتفكيك سلاح «حزب الله»، بما يدفع ترمب إلى التخلي عن خيار تدخل سوريا في لبنان.

صحيح أن التفاوض مع واشنطن ليس سهلاً، وأن اللبنانيين لا ينسون محطات التخلي والانسحاب الأميركي من المنطقة، لكن الفرصة المتاحة قد لا تتكرر. لذلك، فإن نجاح الزيارة يقاس بقدرة الرئيس على إقناع واشنطن بأن لبنان حسم خياره والهدف الآن واضح: «سلام شامل وكامل» وفق اتفاق الإطار، مقابل التزام أميركي بشراكة سياسية وأمنية واقتصادية طويلة الأمد تواكب هذا المسار. عندها تتحول الزيارة إلى بداية مرحلة جديدة. أما استمرار التردد والغموض، فقد يبددان واحدة من أندر الفرص، في وقت أصبحت فيه تكلفة الفشل قاتلة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد