ماجد قاروب
القضايا الأخيرة في السوق المالية أعادت النقاش حول مدى ملاءمة العقوبات النظامية لحجم المخالفات والأضرار الاقتصادية الناتجة عنها مع اتساع حجم السوق وارتفاع قيمة الشركات المدرجة وتزايد أهمية حماية المستثمرين.
نظام السوق المالية من أكثر الأنظمة تطورًا من حيث تنوع أدوات المساءلة والعقوبات فالمادة (49) تحظر التلاعب والتضليل والاحتيال في التداولات والافصاحات المالية فيما تمنح المادة (59) هيئة السوق المالية صلاحيات واسعة تشمل فرض الغرامات المالية ورد المكاسب غير المشروعة والمنع من التداول أو مزاولة بعض الأنشطة الاستثمارية، إضافة إلى المنع من العمل في الجهات الخاضعة لإشراف الهيئة، كما تجيز المادة (57) فرض عقوبات جزائية تصل إلى السجن لمدة خمس سنوات في بعض المخالفات الجسيمة.
قضية مستشفى السعودي الألماني ارتبطت المخالفات بتضخيم إيرادات وإثبات بيانات مالية مضللة قُدّر أثرها المالي بنحو 358 مليون ريال بينما تجاوزت الغرامات والعقوبات المالية المفروضة على المسؤولين 18 مليون ريال إضافة إلى قرارات المنع من العمل لفترات متفاوتة.
قضية التلاعب بأسهم عدد من شركات التأمين المدرجة صدرت قرارات نهائية بحق 15 شخص تضمنت غرامات تجاوزت 10.7 ملايين ريال وإلزام عدد من المدانين برد أكثر من 12 مليون ريال من المكاسب غير المشروعة إلى جانب المنع من التداول ومزاولة بعض الأنشطة الاستثمارية لمدة تصل إلى خمس سنوات.
شهدت قضية سينومي ريتيل إحالة 17 شخصا إلى النيابة العامة بينهم أعضاء مجالس إدارة ومسؤولون تنفيذيون ومديرون ماليون وأعضاء من فريق المراجعة لدى مراجع الحسابات السابق للاشتباه في ارتكاب مخالفات لنظام السوق المالية ونظام الشركات.
قضية دار الأركان من أكبر قضايا التعويض في السوق المالية السعودية حيث أُلزم المخالفون بتعويض أكثر من 17 ألف متضرر من المخالفات المرتكبة على سهم شركة دار الأركان للتطوير العقاري برد نحو 1.196 مليار ريال من المكاسب غير المشروعة من جراء هذه المخالفات إضافة إلى الغرامات النظامية. وهو ما يعكس أن النظام لا ينظر إلى المخالفة باعتبارها مجرد إخلال تنظيمي وإنما باعتبارها مصدرًا لمسؤولية مدنية تجاه المستثمر الذي تكبّد خسارة بسبب تلك الأفعال.
هنا يبرز مفهوم «التناسب العقابي» الذي يقوم على تحقيق توازن بين جسامة المخالفة والجزاء المترتب عليها. وقد اتجهت العديد من الأسواق المالية العالمية إلى ربط بعض العقوبات بنسبة من المكاسب غير المشروعة أو حجم الضرر الناتج عن المخالفة بما يضمن استمرار الأثر الردعي للعقوبة مهما بلغ حجم المكاسب..
قوة النظام لا تكمن في الغرامات المالية وحدها، بل في تعدد أدوات المساءلة التي تشمل العقوبات التنظيمية والجزائية ورد المكاسب غير المشروعة والمنع المهني ودعاوى التعويض التي يمكن أن يرفعها المستثمرون المتضررون، كما أن الإعلام ومن خلال برامجه الرائدة عليه واجبات أخلاقية ومهنية وقانونية كبيرة لحماية السوق.

