إيلاف من الرياض: تتجه العلاقات الاستثمارية بين السعودية وفرنسا إلى مساحة أوسع من القطاعات التقليدية التي طبعت التعاون الاقتصادي بين البلدين لعقود، مع بروز الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية والطاقة المتجددة والصناعات المتقدمة والسياحة والثقافة بوصفها محركات جديدة للشراكة، إلى جانب الحضور الفرنسي الراسخ في الطاقة والنقل والمياه والصناعة والضيافة.
ويأتي هذا التوسع في ظل شراكة استراتيجية أُعلن عنها خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى السعودية بين 2 و4 كانون الأول (ديسمبر) 2024. وأكد قصر الإليزيه حينها أن التعاون المستهدف يشمل الدفاع والانتقال في مجال الطاقة والثقافة والتنقل وتنظيم الفعاليات الكبرى، إضافة إلى الذكاء الاصطناعي والتقنيات المالية والأمن السيبراني. كما جمع منتدى الأعمال المصاحب للزيارة أكثر من 200 شركة سعودية وفرنسية.
وبحسب البيانات الواردة في المادة، بلغ حجم التجارة الثنائية نحو **10.1 مليار يورو في 2025**، بزيادة 7.2% على أساس سنوي، فيما بلغ رصيد الاستثمار الفرنسي المباشر في السعودية نحو **16.3 مليار يورو في 2024**. كما وصل عدد التراخيص الاستثمارية الفرنسية في المملكة إلى **651 ترخيصاً موزعة على 18 قطاعاً**، واستحوذت الصناعات التحويلية على نحو 60% من رصيد الاستثمار الفرنسي المباشر.
وتحتاج هذه الأرقام التفصيلية، وكذلك الأرقام اللاحقة الخاصة بالاستثمارات والتراخيص والطاقة والذكاء الاصطناعي والسياحة، إلى إسنادها إلى الوثيقة أو الجهة الإحصائية الأصلية قبل النشر النهائي، التزاماً بقاعدة إيلاف التي تمنع تعديل أو اعتماد الأرقام دون توثيق مباشر.

من المصانع إلى القطارات والطاقة
تكشف خريطة الشركات الفرنسية الموجودة في السعودية عن تنوع كبير في طبيعة المصالح الاستثمارية. وتضم القائمة الواردة في المادة شركات مثل **توتال إنرجيز، ENGIE، EDF، سانوفي، ألستوم، RATP Dev، فيوليا، سويز، أكور، شنايدر إلكتريك، CMA CGM، Bouygues، Egis وThales**، فضلاً عن مؤسسات مالية فرنسية.
ويظل القطاع الصناعي والطاقة في قلب هذه العلاقة. فالشركات الفرنسية تمتلك خبرات تتقاطع مع قطاعات تعمل السعودية على توسيعها، من الكهرباء والطاقة المتجددة إلى المياه والنقل والخدمات اللوجستية والصحة والبناء.
والتوجه إلى توسيع هذه المجالات ليس جديداً. ففي بيان فرنسي - سعودي سابق، حدد البلدان الطاقة والمياه وإدارة النفايات والمدن المستدامة والنقل والطيران والاقتصاد الرقمي والصحة بين المجالات المستهدفة للاستثمارات المتبادلة.
كما وضع ماكرون، خلال زيارته للرياض في كانون الأول (ديسمبر) 2024، **مترو الرياض والطاقة المتجددة والهيدروجين والذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات** ضمن الأمثلة المباشرة للمجالات التي تستطيع فيها الشركات الفرنسية توسيع شراكتها مع السعودية.
الصناعة توسع مساحة الاستثمار
وتوفر القاعدة الصناعية السعودية مساحة أخرى للشركات الفرنسية الراغبة في الانتقال من بيع المنتجات والخدمات إلى التصنيع والاستثمار داخل المملكة.
وبحسب الأرقام الواردة في المادة، وصل عدد المصانع في السعودية إلى **12,946 مصنعاً بنهاية 2025**، فيما صدر خلال العام نفسه **1,660 ترخيصاً صناعياً جديداً** باستثمارات تقارب 17.1 مليار يورو، ودخل 1,201 مصنع مرحلة الإنتاج.
وتبرز أمام الشركات الفرنسية، وفق هذه الخريطة، مجالات الكيماويات والمعدات المتقدمة ومواد البناء والسيارات والرعاية الصحية وتصنيع الأغذية وتقنيات المياه.
وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة بالنسبة إلى العلاقة الاستثمارية، لأن توسع الشركات الفرنسية عبر التصنيع المحلي يعني انتقال جانب من الشراكة من نموذج التبادل التجاري إلى نموذج أكثر ارتباطاً بالإنتاج وسلاسل الإمداد ونقل الخبرة.
الذكاء الاصطناعي يفتح الباب الجديد
لكن المجال الذي يمكن أن يرسم جانباً مهماً من المرحلة المقبلة هو **الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية الرقمية**.
فالبلدان أدرجا الذكاء الاصطناعي بصورة واضحة ضمن الشراكة الاستراتيجية. وبعد زيارة ماكرون إلى الرياض، عاد الملف إلى المحادثات بين ولي العهد الأمير محمد بن سلمان والرئيس الفرنسي في كانون الثاني (يناير) 2025، عندما أشار الإليزيه صراحة إلى تطوير الشراكة الاستراتيجية، ولا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي.
وفي منتدى الأعمال السعودي - الفرنسي، قدم ماكرون مراكز البيانات وخدمات الذكاء الاصطناعي باعتبارها أحد ميادين التعاون الممكنة، رابطاً ذلك بالخبرات الفرنسية وبالاستثمارات السعودية في القطاع.
وبحسب البيانات المقدمة في المادة، تستهدف السعودية الوصول إلى **3 غيغاواط من البنية التحتية المخصصة للذكاء الاصطناعي بحلول 2030**، فيما بلغت سعة مراكز البيانات 440 ميغاواط باستثمارات تتجاوز 3.85 مليار يورو، كما تتجاوز قيمة شراكات الذكاء الاصطناعي المعلنة 19.7 مليار يورو.
وإذا كان النفط والصناعة الثقيلة قد شكلا جانباً مهماً من العلاقات الاقتصادية تاريخياً، فإن مراكز البيانات والحوسبة والذكاء الاصطناعي تقدم اليوم مساحة مختلفة تماماً لاستثمارات المرحلة المقبلة.
السياحة والثقافة.. من العلا إلى الضيافة
وتظهر السياحة والثقافة والصناعات الإبداعية بوصفها ضلعاً آخر في خريطة الاستثمار.
وتشكل **العلا** أحد أبرز نماذج التعاون السعودي - الفرنسي، إذ تطورت العلاقة حولها إلى شبكة من المشروعات والخبرات والشركات، فيما تعمل شركات فرنسية في الضيافة والهندسة وإدارة المشروعات.
وأشار ماكرون خلال زيارته إلى أن فرنسا تريد توظيف خبرتها في المتاحف والتراث والسينما والألعاب والصناعات الإبداعية ضمن المشروعات السعودية المرتبطة برؤية 2030 والفعاليات الدولية المقبلة.
ويضاف إلى ذلك قطاع الضيافة، حيث تمثل السوق السعودية المتنامية مجالاً للتوسع أمام مجموعات فرنسية مثل أكور.
الرياض تتحول إلى قاعدة إقليمية للشركات
ولا ترتبط جاذبية السعودية للشركات الفرنسية بالسوق المحلية وحدها.
فموقع المملكة بين البحر الأحمر والخليج وقربها من طرق التجارة بين آسيا وأفريقيا وأوروبا يمنح الشركات التي تنشئ عملياتها فيها إمكانية التعامل معها بوصفها قاعدة إقليمية.
وهذه تحديداً كانت إحدى الرسائل التي وجهها ماكرون إلى مجتمع الأعمال الفرنسي خلال منتدى الرياض، عندما دعا الشركات الفرنسية إلى زيادة استثماراتها في السعودية، مقدماً المملكة بوصفها نقطة دخول إلى المنطقة والأسواق المحيطة بها. ([elysee.fr][1])
وبحسب المادة، أنشأت أكثر من **750 شركة** مقرات إقليمية لها في الرياض، بينها **39 شركة فرنسية تعمل في ثمانية قطاعات**.
الاتجاه الآخر.. رأس المال السعودي في فرنسا
لكن تدفقات الاستثمار لا تسير في اتجاه واحد.
فالجانب الفرنسي يسعى منذ سنوات إلى زيادة الاستثمارات السعودية داخل فرنسا، ولا سيما في التكنولوجيا والصناعات المستقبلية والشركات الناشئة. وقد أكدت باريس والرياض رسمياً أهمية بناء شراكة اقتصادية متوازنة تقوم على الاستثمارات المتبادلة للقطاع الخاص.
وبحسب البيانات المقدمة، استثمر **صندوق الاستثمارات العامة نحو 7.36 مليار يورو في فرنسا بين 2017 و2024**، فيما توفر مذكرة تفاهم تمويلية بين الصندوق وBpifrance بقيمة تقارب **8.56 مليار يورو** إطاراً إضافياً لتوسيع التعاون.
وهنا تظهر إحدى أهم فرص المرحلة المقبلة: انتقال العلاقة من سؤال حجم الاستثمارات الفرنسية داخل المملكة إلى بناء تدفقات استثمارية متبادلة بين الرياض وباريس.
خريطة جديدة للاستثمار
خريطة الاستثمارات بين السعودية وفرنسا تبدو، في المحصلة، موزعة على ثلاث طبقات.
الأولى قائمة منذ سنوات وتتركز في **الطاقة والصناعة والنقل والمياه والصحة والضيافة**. والثانية تنمو مع برامج التنويع الاقتصادي السعودية في **التصنيع والخدمات اللوجستية والسياحة والثقافة**. أما الثالثة، والأحدث، فتتشكل حول **الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والتقنيات المتقدمة والطاقة الجديدة**.
والمؤكد رسمياً أن الرياض وباريس اختارتا توسيع الشراكة إلى هذه القطاعات، وأن زيارة ماكرون في كانون الأول (ديسمبر) 2024 دشنت إطاراً استراتيجياً أوسع للتعاون.
وبذلك، لم تعد العلاقة الاقتصادية السعودية - الفرنسية محصورة في الشركات الفرنسية التي تبحث عن عقود داخل المملكة، بل تتجه تدريجياً نحو نموذج أوسع: **استثمارات متبادلة، تصنيع محلي، بنية تحتية مشتركة، وتعاون في القطاعات التي ستحدد جانباً من اقتصاد العقد المقبل.**


