: آخر تحديث
تلفزيون

اسمي حسن... أعاد الدراما العراقية إلى نصابه

2
2
2

حظي المسلسل العراقي "اسمي حسن"، الذي عرض منذ حلول شهر رمضان على قناة العراقية من تأليف الصحفي والكاتب والمصور المبدع حامد المالكي، وإخراج المبدع سامر حكمت، وبطولة كوكبة من الفنانين الرواد والجيل الشاب، بينهم: أمير إحسان، سامية الرحماني، محمود أبو العباس، زهرة بدن، ضياء الدين سامي، تحسين داحس، زيد الملاك، وحسين علي صالح (الرفيق جمعة)، وغيرهم من المبدعين العراقيين.

حظي المسلسل بإشادة واسعة من قبل مهتمين بالشأن الفني والسياسي والاجتماعي، وأثنوا على قصة العمل الذي تناول قضايا سياسية بحتة عاشها العراقيون في الثمانينيات من القرن الماضي في ظل قسوة وجرائم حزب البعث العربي الاشتراكي وأجهزته الأخطبوطية القمعية.

فالمسلسل يروي أحداثاً مستندة إلى قصة حقيقية مأخوذة من وثائق رسمية صادرة من الأجهزة الأمنية البعثية، وهي قصة اعتقال عشوائي لمجموعة من الشباب جريمتهم الوحيدة أنهم يشتركون باسم واحد، وفي الأخير تم إعدامهم بدون دليل وبدون اعتراف.

لفت المسلسل، منذ بداية عرضه وحتى نهايته بعد 15 حلقة، الأنظار بتفاصيله وأحداثه التي حملت قدراً كبيراً من مأساة الشعب العراقي في زمن حزب البعث العربي الاشتراكي، وسلط الضوء على صفحات من تاريخ العراق الحديث والذي لا يمكن نسيانه أبداً، حيث وثق المسلسل عدالة النظام العراقي البائد في توزيع الظلم على جميع مكونات الشعب العراقي بدون استثناء.

قصة المسلسل
يقول الدكتور حميد عبد الله مقدم برنامج تلك الأيام: استوحى كاتب الدراما المعروف الصديق حامد المالكي فكرة مسلسل اسمي حسن الذي عرض عبر شاشة قناة العراقية من مضمون حلقة من برنامج تلك الأيام عرضنا فيه وثيقة صادرة من الأمن العامة تتضمن اعتقال 90 شخصاً يحملون اسم حسن على خلفية البحث عن متهم واحد اسمه حسن. بعد عرض الحلقة اتصل بي الصديق المبدع حامد المالكي، واستأذن مني أن يحول مضمون الحلقة إلى عمل درامي، وظل يتواصل معي لعدة أشهر حتى تكللت جهوده بإنتاج هذا المسلسل الذي كانت له أصداء واسعة على المستويين المحلي والعربي.

لن تخرج من هنا إلا إلى القبر
عادت بنا مشاهد "حفلات التعذيب" التي تعرض لها المعتقلون المشتبه بهم، ومن ضمنهم حسن الشيوعي وزملاؤه، عادت بنا إلى تلك الأيام المخضبة بالدم، وأحداث عشتها شخصياً في بداية الثمانينيات عندما كنت معتقلاً في مسلخ أمن أربيل بسبب انتمائي إلى عائلة شيوعية معارضة ومعروفة على الصعيد العراق. فصرخات حسن في أثناء التعذيب فتحت لي أبواب المسالخ والزنزانات والتعذيب الذي تعرضت له في مسالخ النظام البعثي من جديد، تلك الأبواب التي حاولت جاهداً أن أغلقها لكن دون جدوى.

كسجين سياسي سابق أقول إن انتزاع الاعتراف من المشتبه به كان جوهر عملية الاعتقال، فكل ما يدور من تعذيب داخل مسالخ وأقبية الأمن والمخابرات البعثية كان هدفه كسر وتحطيم الضحية ودفعه إلى الانهيار من خلال حفلات التعذيب الجسدي والنفسي من قبل الجلاد الذي كان يبتكر شتى الأساليب الوحشية لانتزاع اعترافات قسرية من الضحية، ويصرخ بوجهه وهو معلق في سقف المسلخ ويداه مقيدتان خلف ظهره: لن تخرج أيها المخرب من هنا إلا إلى القبر.

كما أعادت بي رحلة التحاق حسن الشيوعي بصفوف الأنصار - البيشمركة، أعادت بي إلى أيام الكفاح المسلح ونضالي في صفوف أنصار الحزب الشيوعي العراقي بعد إطلاق سراحي من مسلخ أمن أربيل في أواسط الثمانينيات، ونضالي مع رفيقاتي ورفاقي الأنصار - البيشمركة الذين استشهد قسم منهم في جبال كوردستان وهم يناضلون من أجل وطن حر وشعب سعيد، وإلى اغتيال قصص حب مشابهة لقصة حب جمعت بين حسن الشيوعي وفاطمة، تلك القصص التي أنهتها واغتالتها جرائم الأنفال الصدامية وصواريخ السموم البعثية.

كما استعاد لي مشهد استشهاد النصيرة الشيوعية عنبر في أثناء قصف الطائرات لمواقع الأنصار الشيوعيين أحداثاً ومصادمات مسلحة مع أزلام النظام البائد وجحوشه، ولا يمكن أن ننسى رفيقاتنا الخالدات ممن وهبن حياتهن باستشهادهن في معارك ومصادمات مع الجيش العراقي ومرتزقته وعملائه وجواسيسه، كالنصيرة الشيوعية أحلام، والنصيرة عائشة كلوكة، والنصيرة أنسام، والنصيرة فاتن، والنصيرة أم ذكرى، وبطلات شيوعيات أخريات.

أما الرفيق البعثي جمعة الذي كان ضد كل من يفكر خارج نطاق فكره البعثي ويشك في كل تصرف أو موقف يتخذه المواطن حتى وإن كان بشكل عفوي، هذا البعثي عاد بذاكرتي إلى جاري البعثي الذي كان يراقب كل شاردة وواردة ويكتب تقارير حزبية عن كل حالة يمر بها تستدعي ذلك أو لا تستدعي.

ويرى مراقبون أن مسلسل "اسمي حسن" هو واحد من أبرز الأعمال المتميزة التي عرضت مؤخراً في العراق وجذبت المشاهد لمتابعته وتفاعله معه، إلى جانب ما تضمنه من عناصر قوة متمثلة في حبكة القصة والإخراج والتمثيل، وأنه استطاع أن ينقل المشاهد للعيش في زمن حكم البعث الذي بني على قاعدة "من ليس معنا فهو ضدنا".

ويرون أن المسلسل تم تصويره بمهنية وتركيز عال، حيث حرص القائمون على المسلسل وفي مقدمتهم المخرج المبدع سامر حكمت على استحضار أجواء الثمانينيات بدقة عالية من خلال الأزياء وأماكن التصوير منها المقاهي وصالات وغرف البيوت وأثاث المنازل والستائر - البردات، ومزهريات التي كانت تزين دواليب وطاولات التلفزيون والسيارات واللوحات المعلقة على حيطان البيوت، وحتى الأغاني والأنشيد البعثية أيام قادسية العار، والشكل العام للبيئة الاجتماعية لخلق أجواء مشابهة لأجواء الثمانينيات، ومسالخ التعذيب وغرف التحقيق والدقة في توزيع الأدوار واختيار ممثلين الذين لعبوا دور منتسبي أجهزة القتل والاغتصاب والتعذيب في مسالخ حزب البعث وهم يرتدون الزي الزيتوني الذي كان يشكل كابوساً لعموم الشعب.

ففي زمن النظام البعثي تحولت بيوت العراقيين من أماكن للطمأنينة إلى بيوت خوف ورعب، كان الناس يتوجسون حتى من أقرب المقربين لأن كان للحيطان آذان والكلمة قد تكلف حياة عائلة بأكملها.

انتهى المسلسل بإعدام حسن الشيوعي وحسن النجار المنتمي لحزب الدعوة دون التخلي عن مبادئهما أو الاعتراف على زملائهم، إلى جانب تضحيتهما بكل غال ونفيس من أجل الوطن.

نعم الوطن الذي يحمل في طياته كل معاني العشق والولاء والوفاء والإخلاص والتضحية، فالوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هي روح تسري فينا ودم يجري في عروقنا وذاكرة تحمل تاريخاً من النضال والتضحيات والأمجاد.

أخيراً أقول: إن مسلسل اسمي حسن ليس مجرد توثيق لجرائم حزب البعث العربي الاشتراكي في العراق في الثمانينيات من القرن الماضي، بل هو شاهد على أن الظلم مهما تجبر تظل صرخات الضحايا تلاحقه عبر الأجيال.

ومن أهم الرسائل التي أوصلها مسلسل اسمي حسن بكل أمانة هي: انتصار الحق مهما طال الزمن، وأن إعدام المجرم صدام حسين وعواد حمد البندر أظلم قاض في تاريخ العراق بنفس المكان الذي أعدم حسن الشيوعي وحسن النجار الإسلامي دليل على انتصار الحق على الباطل.

وعليه فأنا ومعي كثير من ضحايا البعث نؤمن إيماناً راسخاً بأن يجب حظر حزب البعث العربي الاشتراكي إلى الأبد، بالضبط كما فعلت أوروبا مع النازيين والفاشيين، إلى جانب معاقبة كل من يحاول الترويج لأفكار حزب البعث العنصري أو يترحم على ذلك الزمن الذي كان الحائط له آذان يسمع بها ولسان ينطق به.

تحية لطاقم مسلسل اسمي حسن الذي فرض نفسه درامياً وبقوة وأجبر المشاهدين على متابعته لحظة بلحظة، والحق يقال بأنه أعاد الدراما العراقية إلى نصابه، ولسان حال كاتبه المبدع حامد المالكي يقول: خلينا نتذكر حتى لا تتكرر.

 

 

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات