العمل، يبدو منذ الوهلة الأولى، أكبر من مجرد كتابة ترصد تفاصيل انشطار وجودي بين عالم الجذور وعالم الاغتراب، بل تتجلى قيمته في كونه يترجم سيرة نص مفتوح، ما ينفك يمارس على المتلقي سحر المحاكاة وخلق ضرب من التوازي ما بين عالمين متناقضين جملة وتفصيلا.
رواية "رحلتي بين النيل والسين" للكاتبة المصرية الدكتورة فتيحة سيد الفرارجي، تحرر وانطلاق وتفتّح على الحضارة الغربية التي تمثل الهوية الباريسية النواة الأولى لها، وفي مقابل ذلك، هي، أي الرواية، بكائيات أو مناحة إبداعية يسمها التنوع الأجناسي، أو فيما يوازي مناولات النقاد الشعرية، طلليات ترثي تخلف الأمة العربية من محيطها إلى خليجها، وتأخرها عن الركب، إلاّ فيما قد يعكس بعض تجليات التشبث الغريب بالقشور، وترك كنه التحضّر وماهيته.
قبل مقاربة هذه الرواية، من زوايا منفلتة ربما تكون قد فاتت من درسوا هذا المشروع السّيرى، من قبل، لا بد من هذا الاقتباس الذي جاء على ظهر الغلاف، بحيث تقول الساردة:
{وختم جواز السفر بختم النسر، آخر نسر مصري يحوم حولي وأنا في الثانية والثلاثين من عمري، وكانت لحظة الفراق التي تشعر فيها بأن شيئا ينتزع منك وخاصة وداع الأم وأفارق نبضات قلبها لمدة عامين، وبين أحضان أختي التي تمد ذراعيها حتى أعماق قلبي وبين نظرات أبي وإخوتي وكل من أحبهم والدموع تملأ أعيننا حيت هذه المرة التي سأسافر فيها لمدة طويلة ويتساءل كل منا في داخله: هل سيرى بعضنا بعضا ثانية أم لا؟ من سيركب طائرة الرحيل الأبدي وستقطع تذاكر سفره قبل الآخر؟ بعد ثمانية أعوام من سفري في المرة الأولى أقلعت الطائرة وكان معها يتمزق قلبي بين وداع بلدي الحبيب الذي لم أغادره إلا فيما يقل عن شهرين كنت أودع الأهرامات وأعد(أبا الهول) بأنني سأظل محبة لبلدي مهما رأيت من تطور وتقدم ومهما شعرت بأسمى مما أعيشه}(1).
من خلال هذا المقطع، نهتدي مباشرة إلى الغاية من تلكم الرحلة، فالبحث عن أسمى مما يمكن أن يعيشه الكائن العربي في بلاده وضمن خارطة تراجعت كامل هذا التراجع بعد أن كانت أمّا للحضارات برمتها.

وثمة فرق كبير بين "العيش" و"الحياة" بما يفسّر ثقافة الوعي لدى الذات الساردة، بما هو وعي انشطاري وإستطيقا "مابينية" تحاول أن تضع القارئ العربي، ما بين ماءين، أو معنيين، أو عالمين ضديدين، بدرجة أولى.
عموما، من عتبة الرواية التي هي سيرة لنص رَحَلِي مفتوح، تتضح ملامح مثل هذه الثقافة الواعية بقيمة الجذر، كما ضرورة الهجرة بشقيها النفسي والجسدي، طلبا لتمظهرات السمو والارتقاء، وإنشادا لما قد يترع فراغات الهوية الأم، داخل حدود بلد غربي له من الخصوصيات والإيجابيات كما السلبيات، ماله.
الأكيد أن الروائية في عيش سرديتها، اجترحت بعض الهفوات المنافية للنضح الإبداعي الذي قد ينم عن المنسوب الزائد، أو الأبعد بقليل، في الإحاطة بمقومات وميكانيزمات وقواعد الكتابة السردية السيرذاتية التي تبصم سيرة النص المفتوح، على أعلى، أو بالأحرى، أبعد مستوياته، بيد أنها، في الحقيقة، كانت أقرب إلى إدراك المتلقي العادي والبسيط، من خلال بساطة أسلوبها السردي، الذي لا يخلو من عمق، أكيد.
تقول الساردة:
{وفكرت في شراء سنارة لأجلس على ضفاف نهر السين وأسمع عبد الوهاب وهو يغني النهر الخالد ولكن هل سأجد أسماكا؟ وإن وجدت أين سأشويها؟ لا توجد محلات شوى أسماك فهي ملوثة للبيئة. وأرتمي على الشاطئ زجاجة بها رسالة قديمة فأسرعت وأخذتها فوجدت فيها رسالة بتاريخ17أكتوبر1961. مكتوب فيها: فضلت أن ألقى بنفسي في النهر ليس هربا من التعذيب لأني أطالب باستقلال بلدي الجزائر مثل كل من ألقوا بأنفسهم في النهر، لكني على يقين أن رسالتي ستبقى في جسدي المدفون تحت الأعماق التي ستبقى خالدة لكل الأجيال القادمة لأنها لن تتحلحل لأني ابتلعت مشروبا صنعه الأجداد يحفظ للجسد البقاء والخلود. مشروب من مادة كيماوية لا يعرف سرها غير أجدادي من بلد المليون شهيد وفراعنة مصر.
وطفت الزجاجة وداخلها تلك اللفائف...}(2).
لعل هذا يسجل غيضا من فيض في هذه السردية التي هي من تيمتها الباطنة وجوانيتها سيرة نص ملحمي مفتوح محمول على التقاطعات السوسويولوجية التي تساءل الشرخ في هويتنا العربية.
سردية ترشق بالأسئلة وكأنما كتبت بعقل فيلسوف.
ما الذي حققته الدول العربية بعد حصولها على الاستقلال، جراء تاريخ من التضحيات وبذل الدماء والنفوس؟
إذ الواقع، يحيل وبكل جلاء على عهد استعماري جديد، ذكي وبصفر خسائر، أيضا.
قد يلتقي المشهد الذي عاشته بوعي وعمق، الذات الساردة هنا، مع واحدة من بين أدمى صفحات التاريخ الجزائري إبان الاستعمار الفرنسي، ولكنه كان يحرّض فيها، أي في الكاتبة، من خلال ذات ساردة قابعة في المابين، تجذبها تفاصيل الذاكرة المتشظية، فصول صولة وجولة الامبراطور نابوليون بونابارت، في أرض الكنانة، مصر، كقلب نابض للأمة، طالما ذكّرنا بالملاحم التي صنعت المجد العربي، وسطرت الهوية العربية الكاملة.
حوت الرواية عشرات النصوص، على نحو متسلسل، يحكمه الانتشار التصاعدي المنطقي، وكل ذلك حفاظا على عنصر التشويق في العمل ككل، وحرصا على إبقاء المتلقي مرتبطا ومنجذبا إلى عوالم الرواية في امتدادها وصيرورتها نحو النهاية.
وفما يلي هذا الجرد ببعض عناوين متن هذه السيرة المفتوحة، التي تقول:" رحلة تأمم الأسمى، والناقص في أوطاننا العربية المغلوبة على أمرها"، لكنها تعنى الأمومة بفيض معاني فوقيتها وقدسيتها وجبروتها أيضا:
ــ أيام بلا جذور.
ــ أول فنجان قهوة باريسية.
ــ الأمراء والإملاء.
ــ طعم ومعنى.
ــ عقارب منتظمة.
ــ حموضة الموضة.
ــ عفوا أنا المرأة.
ــ فتنة الشرق وتوابله.
ــ متحف رودان وجوميه.
ــ متحف الآثار الغارقة.
ــ كنيسة القلب المقدس.
ــ رومانسية التسول وشحاتة مثقفة.
ــ روبير سوليه.
ــ كأس البعثة.
مثلما نقتبس لها قولها أيضا:
{وذكرني هذا بريكا الفارسي في كتاب مونتسيكيو عندما كان يصف شعوره عندما ينزع ثيابه الفارسية وارتدى الأوروبية وهو يتساءل:" هل سيبقى في سحنتي شيء معجب؟ وهذه التجربة عرفتني قيمتي الحقيقة، إذ إنني لما تخلصت من كل حيلة أجنبية، قدرت تقديرا أدق، وكان من حقي أن أتألم من الخياط الذي أفقدني انتباه الجمهور وتقديره في لحظة واحدة، وحرمتني حلته اعتباره، واهتمام الناس بي، وكأني لم أكن شيئا مذكورا، فصرت أحيانا أقضي ساعة في جماعة دون أن يلتفت إلي أحد.}(3).
من هنا الاستفحال الرّسائلي الذي تتبطن به هذه السردية، باعتبارها نصا سيرذاتيا مفتوحا تشفع له التجربة البكر، في رحلة خلق آفاق للتصالح مع الذات والهوية.
إنها هجرة تعاود كتابة الاختناق بجرح الأوطان العربية وتصدّعاتها الهوياتية.
كتابة عناء ممتعة، تنقل بكل سلاسة المشهد العربي المأزوم، كي تضعه في مرآة من غير جنسه، لا لترصد الفوارق وتحقق الانبهار بالغرب وثقافته، أو تتماهى مع مستوياته الهاربة في شتى المجالات، إنما لتذكر بقواعد وخواريزمية الجذر، وتخلص النصح من نافذة إبداعية تجريبية صرفة، لا من زاوية إصلاحية، وتوجه إلى المعنى الهوياتي المفقود.
إنها سيرة وسردية نص مفتوح، واقعة في المابين، ذات الجذر وذات الاغتراب، تتخطى أسلوبية المقارنة، كي تدهش بوعي المحاكاة الذي يضعنا في حجم ومسؤولية محاكمة الأجيال المهزوزة والمهزومة والضائعة.
هامش:
(1) مقتطف مما ورد في ظهر غلاف الرواية.
(2) مقتطف من نص"فتنة الشرق وتوابله"، الصفحة 235/236.
(3) مقتطف من نص"الجوانب الإدارية"، الصفحة212.


