: آخر تحديث

الانتخابات المحلية اختبار للقيادة ووحدة بريطانيا

4
4
5

في بريطانيا، تبدو الانتخاباتُ المحلية في ظاهرها شأناً مرتبطاً بأولويات الناخبين المباشرة: صيانة الطرق، جمع القمامة، الضرائب المحلية، الإسكان. لكن في حسابات وستمنستر، هي شيء مختلف: حكم سياسي عام متخفٍ في اقتراع محلي.

يوم الخميس المقبل يتوجَّه البريطانيون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات متعددة الجبهات: انتخابات المجالس المحلية في إنجلترا، والحكومات المحلية في برلماني أسكوتلندا وويلز. وبجانب الأهمية الاستثنائية لليوم، تأتي هذه الانتخابات في لحظة سياسية حرجة، حيث تبدو حكومة كير ستارمر أكثرَ شبهاً بإدارة بدأت علامات الإرهاق تظهر عليها، رغم أنها لم تكمل عامين.

الخطر الحقيقي على ستارمر لا يكمن فقط في خسارة حزب العمال المتوقعة لمقاعد كثيرة كظاهرة معتادة في منتصف الولاية، بل في نمط الخسارة. إذا جاءت النتائج كتآكل واسع ومتعدد الاتجاهات، فسيكون ذلك علامة على فقدان أعمق للثقة، لا مجرد تذمر عابر. استطلاعات الرأي الأخيرة تضع حزب «ريفورم» في الصدارة، متقدماً على العمال والمحافظين معاً، ما يعكس تفكك المشهد السياسي التقليدي الذي حكم بريطانيا لعقود.

السؤال بعد إعلان النتائج سيكون قاسياً لستارمر: هل لا يزال الرجل الذي أعاد الحزب إلى الحكم، أم أصبح عبئاً يعرقل قدرته على الحكم بفاعلية؟ رؤساء الوزراء لا يُطاح بهم عادة بعد انتخابات محلية مباشرة، لكن النتائج السيئة تخلق مناخاً سياسياً خطيراً، يبدأ بالهمس وينتهي بالمطالبة بالتغيير.

الناخبون لا يعاقبون حزب العمال على سياسة بعينها، بل على الأداء العام. فـ«الجدية» التي ميّزت ستارمر تحولت، في نظر الرأي العام إلى برود سياسي غير قادر على الإقناع. وإذا خسر الحزب أصواتاً لصالح «ريفورم» من جهة، و«الخضر» من جهة أخرى، فسيجد نفسه محاصراً بين ناخبين يبحثون عن بدائل متناقضة، لكنَّهم يتفقون على شيء واحد: عدم الرضا عن حكومة ستارمر.

في أسكوتلندا، ليست مجرد انتخابات محلية، بل اختبار لمستقبل وحدة المملكة المتحدة. الحزب القومي الأسكوتلندي لا يزال متقدماً، لكن المفاجأة هي صعود «ريفورم» إلى مستويات غير مسبوقة في بلد كان يُنظر إليه سابقاً كأرض رافضة تماماً لهذا التيار.

هذا التَّحول يرتبط بالهوية وبالاقتصاد. فسياسات «صفر الانبعاثات» البيئية، نُظر إليها في معظم دوائر أسكوتلندا كتهديد للوظائف في قطاع الطاقة والنشاطات المرتبطة بها. وهنا يتحوَّل النقاش من استقلال مقابل وحدة، إلى معيشة مقابل مبادئ.

في حال تحالف القوميين والخضر كأغلبية برلمانية ستجدد الدعوات إلى استفتاء جديد على الاستقلال، مؤدية إلى أزمة قانونية، فالمحكمة العليا في المملكة المتحدة قضت بأنَّ البرلمان الأسكوتلندي لا يملك صلاحية إجراء استفتاء بلا موافقة لندن. ما يعني دخول أغلبية مؤيدة للاستقلال في صدام سياسي طويل.

الصورة في ويلز أكثر دلالة على أزمة حزب العمال. فالإمارة، رغم صغر حجمها، تمثل رمزاً تاريخياً لهيمنة الحزب منذ بدء الحكم الذاتي. واليوم، تشير الاستطلاعات إلى تراجع هذه الهيمنة، مع صعود قوى منافسة مثل «بلايد كيمري» (القومي الولشي) و«ريفورم». وخسارة «العمال» ويلز تعني فقداناً لجزء من هويته السياسية.

في إنجلترا، يتجلَّى المشهد الأكثر تعقيداً. الانتخابات تشمل آلاف المقاعد المحلية، حيث يتعرَّض الحزبان الكبيران لضغط غير مسبوق من قوى صاعدة. «ريفورم» بدا كقوة احتجاجية منظمة، استطاعت اختراق معاقل تقليدية، بينما يتقدم الخضر في المدن الكبرى وبين الناخبين الشباب. أما المحافظون، فيحاولون استعادة توازنهم، لكنَّهم محاصرون بين خسارة ناخبيهم لـ«ريفورم»، وفقدان مواقعهم المحلية للديمقراطيين الليبراليين.

كما أنَّ البعد الأوروبي يطل برأسه. وزيرة المالية راتشيل ريفز تدفع نحو علاقة أكثر تقارباً مع الاتحاد الأوروبي، بهدف تخفيف القيود التجارية وتحفيز النمو. وهذا يحمل مخاطرة سياسية سيستغلها خصومها كدليل على «تآمر» خفي ضد «بريكست».

إذا خرج «ريفورم» كأكبر الرابحين، فسيؤثر بشكل ملحوظ في السياسات. يكفي أن يفرض نفسه رقماً صعباً، يدفع الأحزاب الأخرى إلى إعادة حساباتها. وفي هذه الحالة، قد يجد حزب العمال نفسه ممزقاً بين الحاجة إلى استعادة ثقة الناخبين، والخوف من اتخاذ خطوات قد تزيد من نفورهم.

في المحصلة، هذه الانتخابات ليست مجردَ تنافسٍ على إدارة المجالس المحلية. إنَّها اختبار لقيادة ستارمر، ولمستقبل وحدة المملكة المتحدة، ولشكل النظام الحزبي نفسه. أفضل ما يمكن أن يأمله هو خسائر محدودة يمكن احتواؤها. أمَّا السيناريو الأسوأ فهو خسائر متزامنة في إنجلترا وأسكوتلندا وويلز، تعكس أزمة ثقة شاملة.

السياسة، كالسيارات الإنجليزية القديمة، كثيراً ما يتم تجاهل ضوء التحذير في لوحة القيادة... إلى أن يتوقف المحرك، ويبدأ الجميع في البحث عن المسؤول، وهو قائد السيارة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد