معظم الباحثين يواجهون مشكلة حقيقية عند القيام بتحليل مختلف البيانات الرسمية التي تصدرها الحكومات أو الشركات أو حتى الجهات التي يُفترض أنها أكاديمية مثل الجامعات ومراكز الأبحاث، بغرض استخدامها في مجالات التحليل السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي وغيرها.
وغالباً تتعلق المشكلة بمدى توافر القواعد التي تضمن مستوى معقولاً من الشفافية والحوكمة والاستقلالية والنقد الذاتي عند إصدارها، حيث يمكن توافر مصداقية مرتفعة للبيانات، ويمكن اعتمادها في إطار التحليل أو البحث العلمي.
فمثلاً كيف يمكن وضع مصداقية الدول الإسكندنافية، مثل الدنمارك وفنلندا، المتربعة على ترتيب مؤشرات الشفافية العالمية مع ذات الدول التي تتذيل الترتيب كجنوب السودان ونيكاراغوا؟
هل يجوز أن نصدق بيانات الديموقراطية وحقوق الإنسان في سويسرا والسويد، كما نصدق بيانات دول خارج إطار الإنسانية، مثل إريتريا وتركمانستان؟ أو نتعامل مع بيانات الاقتصاد والتجارة في سنغافورة والنرويج كما نسمع عن إفريقيا الوسطى والسلفادور؟!
في عراق صدام وسورية الأسد وليبيا القذافي وجميع الأنظمة التي تطغى على الدولة ومؤسساتها، كانت بيانات التنمية والنمو الاقتصادي والكفاءة الإدارية والحريات والديموقراطية و"حكم الشعب» تصدر من الجهات الرسمية الحكومية، من دون أن يتجرأ أحد على مجرّد التفكير في نقدها أو بحث مدى دقتها أو استقلاليتها... ومن يتجرأ على ذلك، حتى لو كان صحافياً أو أكاديمياً أو متخصصاً، فهو خائن للوطن والأمة والضمير والإنسانية، وبالتالي عقابه معروف!
ما ينطبق على مصداقية الجهات الرسمية الحكومية يمكن قياسه على الشركات الخاصة، وتحديداً المدرجة في الأسواق المالية، والتي عليها مسؤوليات أكبر، لكونها تحظى بمرونة أوسع من المؤسسات الحكومية، وبالتالي بوسعها اتخاذ سياسات أشمل في مجالات الشفافية والحوكمة، كالفصل بين الإدارة والملكية وتطوير العلاقة والتواصل مع مختلف المساهمين.
والمؤسف أن البعض يصدق البيانات الرسمية حكومية أو خاصة أو يكذّبها، وفقاً لـ «هوى النفس»، وليس لمدى انطباق معايير الحوكمة والشفافية والاستقلالية وإمكانية توافر النقد الذاتي في المؤسسة أو خارجها لتمحيص البيانات وبيان مصداقيتها.
فلا يُستساغ أن نؤمن بمصداقية بيانات حكومة أو وزارة أو جهة أو شركة في قضية معيّنة ونكذبها في قضية أخرى، لأن مسألة مصداقية البيانات مرتبطة بمدى ترسُّخ الشفافية والحوكمة والاستقلالية وإمكانية التقييم المستقل والحر في البحث العلمي والصحافة وفاعلية المؤسسات المدنية والرقابة الشعبية والنقد الأكاديمي
والمتخصص، وليست مسألة مزاجية ننتقي منها ما نشاء وقتما نريد.

