: آخر تحديث

الحرس الثوري والحرب بلا سقف: قراءة في الموقف الخليجي

3
3
3

تُظهر الهجمات المتكررة التي استهدفت دول مجلس التعاون الخليجي خلال الفترة الماضية أن القرار العسكري في طهران لم يعد بيد المؤسسات الرسمية بقدر ما أصبح رهينة لمنظومة الحرس الثوري. فهذه المؤسسة العقائدية التي تمثل جوهر المشروع الأيديولوجي الإيراني تنظر إلى الخليج العربي بوصفه امتداداً طبيعياً لساحة النفوذ الإيراني، وتتعامل مع دوله باعتبارها فضاءات نفوذ غربي أكثر من كونها شركاء إقليميين مستقلين.
انطلاقاً من هذه الرؤية، يواصل الحرس الثوري تصعيده عبر أذرعه وميليشياته المنتشرة في المنطقة، محركاً الصراع بمنطق "اللا دولة"، أي بمنطق الميليشيا الذي لا يتقيد بحسابات الردع التقليدية أو الاعتبارات السياسية والاقتصادية.

منطق الميليشيا مقابل منطق الدولة
تتسم عقلية الحرس الثوري وواجهاته بالعمل وفق معادلة الخسارة الدائمة والمتوقعة، فالتدمير وسيلة لإعادة فرض النفوذ، لا خسارة تُتجنب. هذا ما يجعل الانخراط العسكري المباشر مع إيران اليوم أقرب إلى مواجهة مع تنظيمات مسلحة ذات قدرات تخريبية هائلة، لا مع دولة ذات مؤسسات مدارة وسياسات منضبطة.
في المقابل، تدرك دول الخليج أن هذا النوع من السلوك لا يمكن مواجهته بالمنهج ذاته، لأن الانزلاق إلى حرب مفتوحة يعني عملياً دعم رواية الحرس الثوري وتكريس منطقه. من هنا تبلورت مقاربة خليجية أكثر اتزاناً تعتمد "الصبر الاستراتيجي" والهدوء مقابل الاستفزاز.

الأضرار الجانبية كضريبة جيوسياسية
تعاملت العواصم الخليجية مع تكرار الهجمات، أكثر من 1700-1800 هجوم إيراني مجتمعة، صواريخ باليستية، صواريخ كروز جوالة، وطائرات مسيرة انتحارية، منذ بدء التصعيد السبت الماضي 28 شباط (فبراير) حتى أمس، باعتبارها أضراراً جانبية متوقعة (collateral damage) في سياق حرب لا خطوط حمراء تحكمها. هذا التعاطي الهادئ لا يعكس ضعفاً أو لا مبالاة، بل يعبر عن إدراك عميق بأن الموقع الجيوسياسي للخليج يجعل منه مركزاً حتمياً للاهتزازات الإقليمية.
وبالتالي، فإن كلفة هذه الاعتداءات تبقى أقل خطراً من كلفة التصعيد الواسع أو الانخراط في حرب قد تُفتح على المجهول وتعيد رسم خريطة الأمن الإقليمي برمتها.

توازن الضرورة والحكمة
من خلال هذا النهج الحذر، نجحت دول مجلس التعاون في الحفاظ على معادلتها الصعبة: الاستعداد العسكري الكافي مقابل سياسات متزنة تراعي التوازنات الدولية وتعطي الأولوية للسلام والتنمية. فالدول التي تُدرك قيمة الاستقرار كشرط للتنمية لا يمكن أن تترك مصيرها رهينة لخطط قوى ظلامية مضطربة أو رهانات انتقامية قصيرة الأفق.
هذه المقاربة الحكيمة لا تنبع من خوف، بل من وعي بموقع الخليج الجيوسياسي الحساس، وبأن أي انفعال غير محسوب قد يحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة تُستنزف فيها الطاقات والفرص التي بُنيت خلال عقود.

تواجه دول الخليج اليوم اختباراً استراتيجياً بالغ الحساسية: الحفاظ على توازنها الداخلي في ظل حرب بلا منطق واضح. ولذلك تظل المعادلة التي اختارتها ناضجة وعاقلة، الصبر الاستراتيجي مقابل التهور الثوري، وهي معادلة تمثل جوهر الفرق بين منطق الدولة ومنطق الميليشيا.

لقد أثبتت التجربة الخليجية الأخيرة أن "الهدوء" في بعض الأحيان ليس خياراً تكتيكياً فحسب، بل استراتيجية متكاملة تهدف إلى تحييد المخاطر دون إشعال حرائق جديدة في منطقة لا تحتمل حرباً بلا سقف ولا نهاية.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.