: آخر تحديث

كوردستان بين شقي الرحى

4
4
4

يبدو أن الرئيس ترامب قد توصل إلى قناعةٍ تامةٍ بأنه بات من الصعب على الضربات الجوية والبحرية الأميركية الإسرائيلية المشتركة أن تحسم الحرب التي يخوضها لإزاحة النظام الإيراني عن الحكم، وأن عليه أن يبحث عن طرقٍ أخرى للوصول إلى تحقيق هذا الهدف. وبالرغم من أن ترامب أكد مراراً أنه لن يرسل جنوده إلى داخل إيران لخوض معركةٍ برية، لكن يبدو أنه في المحصلة النهائية سوف يضطر إلى معركةٍ بريةٍ لحسم الحرب. فالنظام الإيراني الذي تمرس على إطالة أمد حروبه بهدف استنزاف قوة خصومه وإضعافها، كما فعل خلال السنوات الثمان لحربه ضد نظام صدام، يدرك تماماً مدى حراجة موقف الرئيس الأميركي بسبب هذه الحرب التي يخوضها ترامب من دون تفويضٍ رسميٍ من الكونغرس، وكذلك ضغوط الرأي العام الأميركي في حال إطالة أمد الحرب وتأثيراتها على الشارع الأميركي. لذلك نراه يكثف من ضرباته لأجل إنهاء المواجهة بأسرع وقتٍ ممكن، ويمارس بالوقت ذاته ضغوطاً على الدول الأوروبية للمساهمة في الحرب بغية إسباغ نوعٍ من الشرعية الدولية على حربه ضد إيران.

ويندرج الاتصال الذي أجراه ترامب لأول مرة مع الزعيمين الكورديين في العراق، السيد مسعود بارزاني رئيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني، والسيد بافل طالباني رئيس الاتحاد الوطني الكوردستاني، في هذا الإطار، ويبدو أنه يحاول إقناع هذين الزعيمين للانخراط في معركةٍ بريةٍ ضد هذا النظام.

وفي المقابل، يدرك النظام الإيراني أن ضرباته الصاروخية لإسرائيل والقواعد الأميركية، ومعها الدول الخليجية، لن تأتي بنتيجةٍ تُذكر بسبب قوة الدفاعات المضادة، ويعرف أيضاً بأن المواجهة النهائية ستكون على الأرض، وأنها ستكون المواجهة الحاسمة في هذه الحرب التي تهدف إلى إسقاطه.

ومن بين كل دول الجوار المحيطة بإيران شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، والتي يمكن من خلالها التسلل إلى داخل الأراضي الإيرانية لخوض الحرب البرية، ينفرد إقليم كوردستان العراق بهذه الخاصية. فهناك حدود مشتركة تصل إلى حوالي 600 كيلومتر، وفيه تجمع كبير للقوات الكوردية المعارضة للنظام الإيراني، فضلاً عن وجود قواعد جوية أميركية بإمكانها تقديم المساعدة اللوجستية، وخصوصاً الغطاء الجوي والصاروخي في حال نشوب المواجهة البرية. وعليه، فإن إقليم كوردستان سيكون هو الخيار الأفضل للانطلاق منه نحو شن الحرب البرية في المرحلة القادمة. ومن غير المستبعد أن ينخرط الحزبان الرئيسيان في الإقليم في هذه العملية، حيث إنهما واقعان اليوم فعلاً بين شقي الرحى. فمن جهة هناك زخات من الصواريخ الإيرانية تستهدف مناطق في إقليم كوردستان منذ بدء الحرب الحالية، يقابلها ضغوط من الجانب الأميركي لمشاركة الكورد في الحرب عبر الدخول بقوات المشاة إلى إيران والدفع للقيام بانتفاضةٍ كورديةٍ في الجزء الإيراني.

والسيناريو المقترح لهذه المشاركة يتركز بثلاثة محاور. الأول هو فتح الحدود المشتركة مع إيران أمام تدفق القوات الكوردية المعارضة للنظام الإيراني والمتواجدة منذ سنواتٍ طويلةٍ داخل إقليم كوردستان وتقديم الدعم اللوجستي لها. والمحور الثاني هو إرسال قوات البيشمركة الكوردية برفقة تلك القوات تحت حجة حماية الكورد في الجزء الإيراني. والمحور الثالث هو التنسيق والاتصال بالشخصيات وزعماء القبائل الكوردية في الداخل الإيراني. ولكن الخوف الأكبر للقيادات الكوردية في إقليم كوردستان يكمن في رد الفعل الإيراني تجاه هذا الموقف الذي سوف يعتبره النظام عدائياً، مما يوفر له ذريعة تصعيد هجماته الصاروخية ضد إقليم كوردستان.

وتجدر الإشارة إلى أنه منذ بداية الحرب كانت الصواريخ الإيرانية تصوب نحو القواعد العسكرية الأميركية المتواجدة في كلٍ من معسكر "حرير" شمال أربيل، والقاعدة الأميركية المتواجدة قرب مطار أربيل، وكذلك القنصلية الأميركية في ضواحي المدينة. لكن المفاجأة الكبرى حدثت قبل أيام حين وجهت إيران صاروخاً نحو جبل كورك الذي يعتبر منتجعاً سياحياً ولا توجد فيه أية قواعد أو مراكز تجمع للأميركيين، ما يدل على أن إيران تحاول إيذاء إقليم كوردستان بضرب مرافقه الاقتصادية، وهذا أمر قد يبرر دخول إقليم كوردستان في الحرب دفاعاً عن نفسه.

المهم أن مجرد قيام الرئيس الأميركي باتصاله شخصياً بزعيمي الحزبين الكورديين يشي بأن هناك ضغطاً كبيراً على الإقليم، وأن أميركا بحاجةٍ ماسةٍ إلى التعاون معه لتحقيق الهدف النهائي المنشود وهو إسقاط النظام الإيراني. والكورد بطبيعة الحال مستعدون دائماً لخوض حروب الوكالة بالنيابة عن الآخرين.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.