مع إعلان هلاك طاغية الزمان، علي خامنئي، طوت إيران صفحةً من أحلك صفحات تاريخها، لتلج مرحلة الحسم النهائي. إن البيان الأخير للسيدة مريم رجوي، الرئيسة المنتخبة من قبل المقاومة الإيرانية، لم يكن مجرد نعيٍ لنظامٍ يحتضر، بل كان إعلاناً سياسياً قاطعاً: "موت خامنئي يعني النهاية الحتمية لنظام ولاية الفقيه، ونهاية لجميع أشكال الدكتاتورية، سواء كانت بعمامة الملالي أو تاج الشاه".
سقوط صنم الاستبداد والرقص على الجراح القديمة
بينما يحاول بقايا نظام الملالي المتآكل، تحت غطاء مؤسسات مثل "مجلس خبراء القيادة"، ترميم واجهتهم المتصدعة ببحثٍ يائسٍ عن "آية الله" آخر لتمديد عمر الاستبداد، فإن الواقع الجاري في شوارع إيران يروي قصةً مختلفةً تماماً. إن محاولات إنعاش هذا الجسد الهامد لن تجدي نفعاً أمام الإرادة الطوفانية للشعب وضربات "الشباب الثوار" الساحقة الذين دكوا معاقل القمع في كل مكان.
لقد تحولت شوارع طهران، ومشهد، وأصفهان، وشيراز، وكل شبرٍ من تراب الوطن إلى ساحةٍ لاحتفالاتٍ وطنيةٍ وشعبيةٍ غير مسبوقة. إن هذا الابتهاج ليس مجرد عاطفةٍ عابرة، بل هو استفتاءٌ شعبيٌ بالدم والنار، يصرخ بالكراهية العميقة لنظامٍ لم يورث الشعب سوى الدمار لعقود. إن اعتراف أمين المجلس الأعلى للأمن القومي للنظام بحجم الكارثة التي حلت بهم، وإقراره بأن الانتفاضة شملت 400 مدينةٍ إيرانية، هو دليلٌ ساطعٌ على استعصائهم ويأسهم. بل لقد اعترف مسؤولو النظام صراحةً بأنه لولا اللجوء إلى المجازر وإطلاق الرصاص الحي، لكان النظام قد انتهى منذ أسابيع.
صراع البدائل: ديمقراطية المقاومة في مواجهة الرجعية الملكية
في خضم هذه المعركة المصيرية، برزت قضية القوميات الإيرانية كمعيارٍ للتمييز بين البديل الديمقراطي والرجعية المتنكرة. لقد عانت القوميات الإيرانية، وفي مقدمتها الشعب الكردي، لسنواتٍ طويلةٍ من "الاضطهاد المزدوج"، تارةً تحت سياط الشاه، وأخرى تحت مقاصل الملالي.
وقد تجلى هذا الفرز بوضوحٍ أكبر حين شكلت الأحزاب الكردية الإيرانية ائتلافاً استراتيجياً لإسقاط نظام ولاية الفقيه. وفي اللحظة التي توحدت فيها صفوف المناضلين، ظهر وريث الشاه المخلوع بوجهه الحقيقي، واصفاً هؤلاء الثوار بـ"الانفصاليين" ومهدداً بقمعهم عبر الجيش، في استنساخٍ بائسٍ لسياسات أبيه الدكتاتورية. هذا الموقف أثبت أن بقايا الملكية يقفون في خندقٍ واحدٍ مع الملالي ضد التعددية وحرية إيران.
الحكومة المؤقتة: خارطة طريق نحو الجمهورية الديمقراطية
في المقابل، تقف المقاومة الإيرانية بمشروعٍ وطنيٍ شامل. إن الحكومة المؤقتة التي أعلنتها السيدة مريم رجوي لا تستند إلى شعاراتٍ جوفاء، بل ترتكز على "خطة المواد العشر" التي تضمن مستقبلاً مشرقاً. وتنص المادة السابعة من هذه الخطة صراحةً على "الحكم الذاتي ورفع الاضطهاد المزدوج عن القوميات والإثنيات الإيرانية"، وهو فرقٌ جوهريٌ بين من يسعى لاستبدال دكتاتور بآخر، وبين من يحمل مشروعاً ديمقراطياً حقيقياً يضمن حقوق الجميع.
خاتمة: العصر الجديد والشرعية الشعبية
في هذه الأيام التي دخل فيها المجتمع الإيراني مرحلةً حساسةً وملتهبةً عقب مقتل خامنئي والهزيمة التاريخية المخزية لولاية الفقيه، وبينما يلفظ الاستبداد الديني والوراثي أنفاسه الأخيرة، أعلنت السيدة مريم رجوي في رسالةٍ لها: "موت خامنئي هو موت الاستبداد الديني ونهاية نظام ولاية الفقيه. لقد حان وقت إرساء الحرية وسيادة الشعب الإيراني. وباسم مقاومة الشعب الإيراني أعلن: أن المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، واستناداً إلى خطة المواد العشر لإدارة مرحلة انتقال السلطة إلى الشعب، قد شكل الحكومة المؤقتة".
هذا الإعلان الرسمي الذي يؤكد على إقامة جمهوريةٍ ديمقراطيةٍ تقوم على أصوات الشعب، وفصل الدين عن الدولة، والمساواة بين الجنسين، والالتزام بحقوق الإنسان، حظي بأصداءٍ واسعةٍ في وسائل الإعلام الدولية. كما عكست الردود السياسية الدولية ملامح العصر الجديد، حيث أكد شارل ميشل، الرئيس السابق للمجلس الأوروبي، بوقوفه في الجانب الصحيح من التاريخ، أن الشعب الإيراني وحده يمتلك الشرعية لرسم مستقبله. كما صادق آلخو فيدال كوادراس، نائب رئيس البرلمان الأوروبي لمدة 15 عاماً، على تشكيل الحكومة المؤقتة بناءً على برنامج المواد العشر، باعتباره المطلب الرئيسي للإيرانيين لتحقيق فصل الدين عن الدولة.
وبهذا، طُويت صفحة "الشاه والشيخ" إلى الأبد. وكما جاء في رسالة السيدة رجوي بتاريخ 28 شباط (فبراير): "لقد حان الآن وقت استقرار الحرية وسيادة الشعب الإيراني". لقد استيقظت إيران، وستكون الحكومة المؤقتة هي سفينة نجاة هذا الشعب نحو شاطئ الحرية والعدالة.


