: آخر تحديث
الحرب الاستباقية غير القانونية

فلسطين... وخطر التفكك الإقليمي

3
3
3

في قلب الأزمة الإقليمية الراهنة تكمن القضية الفلسطينية غير المحلولة. ومع اتساع الحرب عقب الهجوم الاستباقي غير القانوني على إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، يجري دفع تدمير المجتمع الفلسطيني إلى هامش الاهتمام الدولي. وقد ردّت طهران بضربات صاروخية وبطائرات مسيّرة في أنحاء المنطقة مستهدفة قواعد أميركية وبنية تحتية لحلفائها. وما بدأ كمحاولة محسوبة لإعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي تحوّل سريعاً إلى حرب استنزاف خطيرة. القدرات العسكرية لجميع الأطراف تتآكل تدريجياً، والتحالفات الإقليمية تتبدل، والاقتصاد العالمي بدأ يشعر بالارتدادات. لكن بينما ينصب تركيز العالم على الحرب المتوسعة مع إيران، يستمر الظلم المركزي الذي زعزع استقرار الشرق الأوسط لأجيال دون معالجة: تدمير الحياة الفلسطينية وحرمان الفلسطينيين من السيادة.

في غزة نفذت إسرائيل حملة دمرت الأسس المادية والاجتماعية للمجتمع الفلسطيني. أحياء كاملة سُويت بالأرض، والمستشفيات والبنية التحتية انهارت، والسكان تعرضوا للنزوح الجماعي وظروف المجاعة والقصف المتواصل. تحولت غزة إلى مساحة مدمرة أصبح فيها البقاء على قيد الحياة صراعاً يومياً لأكثر من مليوني إنسان. إن حجم وشدة وطبيعة هذا الدمار دفعت عدداً متزايداً من خبراء القانون والمنظمات الإنسانية والمراقبين إلى الاستنتاج بأن ما يجري يرقى إلى جريمة إبادة جماعية.

في الوقت نفسه يشهد الضفة الغربية تحولاً سريعاً لا رجعة فيه. التوسع الاستيطاني، ومصادرة الأراضي، والطرق الالتفافية، والسيطرة العسكرية الدائمة تعمل تدريجياً على دمج أجزاء واسعة من الأراضي في النظام السياسي والأمني الإسرائيلي. المدن والبلدات الفلسطينية أصبحت مجزأة ومعزولة عن بعضها البعض، بينما تتوسع المستوطنات وتندمج مباشرة في البنية التحتية الإسرائيلية. ما يجري ليس مجرد نشاط استيطاني، بل ضم فعلي للضفة الغربية عبر السيطرة الإدارية والهندسة الديموغرافية والتفوق العسكري.

لذلك لا يمكن فهم الحرب المتسعة مع إيران بمعزل عن هذا السياق. فهي تتقاطع مع مشروع سياسي أعمق ظل حاضراً منذ زمن طويل في دوائر سياسية مؤثرة في كل من إسرائيل وواشنطن. لعدة عقود جادل عدد من المفكرين الاستراتيجيين المرتبطين بأطر فكرية محافظة جديدة بأن الشرق الأوسط يجب إعادة تشكيله عبر إزالة الحكومات التي تُعد معادية لإسرائيل ولمصالح الغرب الاستراتيجية. وفي بعض تيارات القومية الدينية الإسرائيلية تتعزز هذه الطموحات الجيوسياسية بتفسيرات ميسيانية تعتبر التوسع الإقليمي هدفاً سياسياً وقدراً تاريخياً في آن واحد. وعندما تلتقي هذه الرؤى الأيديولوجية بالقوة العسكرية الهائلة، فإن النتيجة تكون استراتيجية توسعية قد تزعزع استقرار المنطقة بأكملها.

المواجهة العسكرية مع إيران تحولت بسرعة إلى حرب استنزاف. تعتمد الولايات المتحدة وحلفاؤها على أنظمة دفاع جوي متعددة الطبقات مثل باتريوت وثاد، إضافة إلى المنظومة الإسرائيلية المتعددة الطبقات. هذه الأنظمة متقدمة تقنياً لكنها محدودة. الهجمات المتواصلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة تجبر المدافعين على إطلاق عدة صواريخ اعتراضية لكل مقذوف وارد، ما يؤدي تدريجياً إلى استنزاف المخزونات التي يصعب تعويضها بسرعة.

تعتمد الاستراتيجية الإيرانية تحديداً على استغلال هذه الثغرة. فبدلاً من محاولة مضاهاة القوة الجوية الأميركية أو الإسرائيلية مباشرة، تعتمد طهران على تكتيكات الإغراق باستخدام الصواريخ الباليستية وصواريخ كروز وأعداد كبيرة من الطائرات المسيّرة. حتى عندما تكون نسب الاعتراض مرتفعة، فإن الضغط التراكمي يفرض عبئاً هائلاً على شبكات الدفاع.

كما أن إسرائيل نفسها تواجه تعرضاً استراتيجياً كبيراً. فرغم قدراتها العسكرية المتقدمة، تبقى دولة صغيرة جغرافياً وكثيفة السكان. الهجمات الصاروخية والمسيّرة المستمرة تفرض ضغطاً نفسياً على السكان المدنيين وتعطل النشاط الاقتصادي حتى عندما يتم اعتراض معظم المقذوفات.

كما تواجه القوات الأميركية وشركاؤها الإقليميون ضغوطاً مشابهة. فدول مثل السعودية والإمارات وقطر تستضيف قواعد عسكرية أميركية كبرى إضافة إلى بنية تحتية حيوية للطاقة. وتعتمد أنظمة دفاعها الجوي بدرجة كبيرة على سلاسل الإمداد الأميركية للصواريخ الاعتراضية والصيانة.

في الوقت نفسه تتقاطع الحرب مع محاولات لزعزعة الاستقرار داخل إيران عبر استغلال التنوع العرقي في البلاد. إيران دولة متعددة الأعراق يشكل الفرس فيها الأغلبية، لكن توجد أيضاً مجتمعات أذربيجانية وكردية وعربية وبلوشية وتركمانية في مناطق حدودية مهمة.

تشير تقارير حديثة إلى أن وكالات استخبارات أميركية تدرس استراتيجيات من هذا النوع. إذ يمكن تسليح جماعات كردية معارضة وتشجيعها على مهاجمة قوات الأمن الإيرانية من قواعد قرب الحدود مع إقليم كردستان العراق، بهدف تشتيت القوات الإيرانية وخلق ضغط داخلي.

غير أن تشجيع تمرد كردي يحمل مخاطر إقليمية هائلة. فالحركات الكردية المسلحة موجودة أصلاً عبر الحدود في إيران والعراق وسوريا وتركيا. تحويلها إلى قوة تمرد أوسع ضد طهران قد يشعل ديناميات انفصالية عبر كامل القوس الشمالي للشرق الأوسط.

كما قد تتفجر خطوط صدع عرقية أخرى. فهناك جماعات بلوشية مسلحة قرب الحدود مع باكستان، وتنظيمات عربية انفصالية في خوزستان، وحركات قومية أذربيجانية في الشمال. تفعيل عدة جبهات داخل إيران قد يؤدي إلى سلسلة صراعات تتجاوز حدود إيران نفسها.

إن تفكك إيران سيقلق القوى المجاورة فوراً. تخشى تركيا من انتشار النزعة الانفصالية الكردية داخل أراضيها، بينما تخشى باكستان من أن يؤدي عدم الاستقرار في مناطق البلوش إلى تقوية التمرد داخل بلوشستان الباكستانية.

أما التداعيات الاقتصادية العالمية فقد بدأت بالظهور بالفعل. يظل الخليج العربي الشريان المركزي لنظام الطاقة العالمي. أي اضطراب في طرق الشحن أو إنتاج النفط سيؤثر فوراً في الأسواق المالية وسلاسل الإمداد العالمية.

في هذا السياق تمثل الحرب المتوسعة أكثر من مجرد مواجهة إقليمية. إنها أزمة جيوسياسية منهجية تتقاطع فيها حرب الاستنزاف والطموحات الأيديولوجية والانقسامات العرقية وعدم الاستقرار الاقتصادي.

ومع ذلك تبقى فلسطين القضية المركزية. غزة مدمرة، والضفة الغربية يجري ضمها فعلياً عبر التوسع الاستيطاني والسيطرة الإدارية. يستمر الشعب الفلسطيني في مواجهة التدمير والاقتلاع بينما ينتقل اهتمام العالم إلى جبهات صراع أخرى.

ختاماً، ما دام أن معالجة الظلم الأساسي في قلب النظام الإقليمي لم تتم، فلن تنجح أي محاولة لفرض الاستقرار بالقوة العسكرية، فالقضية الفلسطينية تبقى الصدع الأخلاقي والسياسي الذي يقوم عليه عدم استقرار الشرق الأوسط.

الكاتب خريج كلية الخدمة الخارجية في جامعة جورجتاون في الاقتصاد الدولي، ويحمل درجة الماجستير من كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن. يكتب في القانون الدولي والجغرافيا السياسية والاقتصاد السياسي للشرق الأوسط.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.