في صباح 28 شباط (فبراير) 2026، وخلال ساعات قليلة، تحولت المنطقة إلى ساحة مواجهة مفتوحة عندما بدأت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية استهدفت منشآت نووية وصاروخية إيرانية تمثل تهديداً مباشراً لأمن المنطقة واستقرارها، وجاء الرد الإيراني سريعاً عبر إطلاق موجات من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه عدة دول في الخليج العربي، وبذلك لم تعد الحرب محصورة بين أطرافها المباشرين، بل دخلت مدن وموانئ ومنشآت اقتصادية في الخليج العربي ضمن دائرة الاستهداف، فما جرى لم يكن مجرد رد عسكري، بل محاولة واضحة من طهران لنقل ساحة المواجهة إلى قلب الخليج العربي.
البيانات الصادرة عن وزارة الدفاع الإماراتية تكشف حجم هذه المواجهة بوضوح، فبحسب بيان رسمي صدر في 4 آذار (مارس) 2026، رصدت الإمارات منذ بداية التصعيد ما مجموعه 189 صاروخاً باليستياً تم إطلاقها باتجاه الدولة، تم اعتراض 175 منها بنجاح، بينما سقط 13 صاروخاً في مياه البحر وصاروخ واحد داخل الأراضي دون تأثير عسكري حاسم. كما رصدت الدفاعات الجوية 941 طائرة مسيّرة إيرانية تم اعتراض 876 منها، بينما سقطت 65 داخل أراضي الدولة، إضافة إلى رصد وتدمير 8 صواريخ جوالة.
الحقيقة أن هذه الأرقام تعكس حقيقتين واضحتين في آن واحد: حجم الهجمات التي تعرضت لها الدولة، وكفاءة منظومة الدفاع الجوي التي تمكنت من التعامل مع موجات هجومية واسعة النطاق.
وفي بيانها الرسمي وصفت وزارة الدفاع الإماراتية ما جرى بأنه "اعتداء إيراني سافر"، مؤكدة أن استهداف دولة الإمارات يمثل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية وللقانون الدولي، وأن الإمارات تحتفظ بحقها الكامل في الرد على هذا التصعيد واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية أراضيها وشعبها والمقيمين فيها.
كما أكدت السلطات أن القوات المسلحة الإماراتية تمتلك مخزوناً كافياً من منظومات الدفاع الجوي والصواريخ الاعتراضية التي تمكنها من التعامل مع أي موجات إضافية من الهجمات، وفي موازاة ذلك حافظت الدولة على استقرار الحياة الاقتصادية بفضل منظومة لوجستية متقدمة ومخزون استراتيجي من السلع الغذائية الأساسية يضمن استمرارية الأسواق وسلاسل الإمداد، كما استفادت الدولة من خبراتها السابقة في إدارة الأزمات عبر تفعيل منظومة العمل عن بعد مستندة إلى بنية رقمية متطورة أثبتت كفاءتها في الظروف الاستثنائية.
منذ اللحظة الأولى للتصعيد حرصت عدة دول خليجية على إيصال رسالة واضحة إلى القيادة الإيرانية مفادها أن هذه الدول ليست طرفاً في الحرب الدائرة بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل، وأن أراضيها لا ينبغي أن تتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات العسكرية.
غير أن الرد الإيراني كشف تناقضاً صارخاً، فقد أكد المسؤولون الإيرانيون أنهم لا يستهدفون دول الخليج العربي، بينما أعلنوا في الوقت نفسه أن القواعد العسكرية الأميركية الموجودة في تلك الدول ستظل أهدافاً مشروعة لهجماتهم، وهذا المنطق لا يعكس مجرد تناقض سياسي، بل يكشف عقلية استراتيجية تقوم على توسيع دائرة الصراع وتحويل دول المنطقة إلى رهائن جغرافية في حرب لا تشارك فيها.
وفي هذا السياق الإقليمي الأوسع لا يمكن إغفال الاعتداءات الإيرانية المتكررة على دولة إسرائيل، التي تؤكد أن طهران لا تفرق في منطق عدوانها بين دولة وأخرى، وأن مشروعها التوسعي يستهدف كل من يقف في وجه نفوذها في المنطقة.
وهنا يظهر بوضوح معنى القرار الاستراتيجي الذي اتخذته الإمارات عام 2020 حين اختارت إقامة علاقات رسمية مع إسرائيل عبر اتفاقيات إبراهيم، فما بدا لبعضهم وقتها قراراً جدلياً أثبتت الأيام أنه كان قراءة ثاقبة لمعادلات المنطقة الحقيقية. فإسرائيل اليوم ليست مجرد شريك اقتصادي أو دبلوماسي، بل دولة تواجه التهديد الإيراني ذاته وتتشارك مع دول الخليج العربي الهواجس الأمنية نفسها. والتاريخ يسجّل أن الشراكات الحقيقية لا تُختبر في أوقات الرخاء بل تتجلى في أوقات الأزمات، وما تشهده المنطقة اليوم يؤكد أن بناء شراكات قائمة على المصالح والاستقرار لم يكن خياراً عابراً، بل جزءاً من إعادة صياغة معادلات الأمن الإقليمي.
لكن فهم هذا التصعيد لا يكتمل إذا نظرنا إليه فقط من زاوية الهجمات الصاروخية، فجوهر الأزمة يرتبط بالبرنامج النووي الإيراني وتطوير الصواريخ الباليستية بعيدة المدى. وفي هذا السياق حذر الرئيس الأميركي دونالد ترامب من أن امتلاك إيران لصواريخ بعيدة المدى مقترنة بقدرات نووية يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار الإقليمي والأمن الدولي، فيما أكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أن شبكة النفوذ العسكري التي بنتها طهران في المنطقة تقف وراء جزء كبير من أزمات الشرق الأوسط.
المفارقة أن الهجمات الإيرانية قد أنتجت نتيجة معاكسة لما أرادته طهران، فبدلاً من خلق انقسام بين دول الخليج العربي والولايات المتحدة دفعت هذه الهجمات إلى تعزيز التنسيق الأمني والعسكري مع الولايات المتحدة وإنشاء منظومة دفاع جوي وصاروخي أكثر تكاملاً. فالتهديدات الحديثة، وخاصة الصواريخ والطائرات المسيّرة، لم تعد تعترف بالحدود السياسية بين الدول، ما يجعل الدفاعات الوطنية المنفصلة أقل قدرة على مواجهة الهجمات الجماعية.
وفي السياق الإقليمي الأوسع تعرّض النفوذ الإيراني لضربات متتالية أدت إلى تآكل منظومة ما يسمى محور المقاومة التي بنتها طهران على مدى عقود، فحزب الله في لبنان خرج من المواجهة الأخيرة بخسائر كبيرة في قيادته وبنيته العسكرية، فيما بدأت الدولة اللبنانية تتحرك تدريجياً لاستعادة قرارها السيادي بعيداً عن الهيمنة الخارجية.
وفي موازاة ذلك فتح حزب الله جبهة عسكرية جديدة ضد إسرائيل بإطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة من جنوب لبنان في محاولة لإسناد طهران بعد الضربات التي تعرضت لها، غير أن هذه الخطوة استدعت رداً إسرائيلياً واسعاً، إذ شنت الطائرات الحربية الإسرائيلية سلسلة غارات مكثفة على جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت مستهدفة مواقع وبنى عسكرية للحزب. وهكذا وجد لبنان نفسه مرة أخرى يدفع ثمن قرار عسكري لا تتحكم به الدولة، بعدما تحولت مناطق الجنوب والضاحية إلى ساحة مواجهة مفتوحة نتيجة انخراط حزب الله في صراع إقليمي يتجاوز حدود لبنان.
ما تكشفه هذه التطورات هو أن المنطقة تقف أمام لحظة تحول جيوسياسي حقيقية، فالنظام الإيراني يخوض اليوم معركته وهو يفقد تدريجياً أوراقه الإقليمية في وقت يتصاعد فيه الغضب الشعبي داخل إيران بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية واستنزاف موارد البلاد في حروب الوكالة.
إنَّ تغيير هذا النظام أو تحجيم مشروعه التوسعي لن يعني فقط تخفيف التوترات في الشرق الأوسط، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار الإقليمي بعد عقود طويلة من الصراعات التي غذتها طهران عبر شبكاتها العسكرية في المنطقة. وأي محاولة لإعادة إنتاج معادلة الهيمنة الإيرانية لن تؤدي إلا إلى نتيجة واحدة: دفع دول المنطقة إلى تعزيز تحالفاتها الدفاعية مع شركاء مثل دولة إسرائيل يمكن الثقة بهم، وبناء منظومة ردع تجعل استهداف مدنها واقتصاداتها مغامرة باهظة الثمن لأي طرف يفكر في تكرارها.

