في السنوات الأخيرة، ومع تعمّق الأزمات السياسية والاقتصادية في لبنان، عاد إلى التداول سؤال قديم كان يُطرح عادة في لحظات الانكسار التاريخي: هل أخطأ اللبنانيون حين قبلوا بفكرة لبنان الكبير؟ وهل يمكن أن يكون الحل الجذري بالعودة إلى فكرة لبنان الصغير، أي إلى حدود جبل لبنان التي سبقت إعلان الدولة الحديثة عام 1920؟
ليس هذا السؤال مجرد نزوة فكرية أو حنين رومانسي إلى الماضي، بل هو تعبير عن شعور متزايد لدى بعض اللبنانيين بأن العقد الوطني الذي جمعهم منذ قرن لم يعد يعمل كما ينبغي. فكلما اشتدت الأزمات بدا وكأن الدولة تتحول تدريجيًا إلى مساحة نزاع بين طوائف تتخذ خياراتها الكبرى من دون اتفاق وطني جامع، بل أحيانًا من دون أن تستشير بعضها بعضًا في القضايا المصيرية.
ولفهم هذا النقاش لا بد من العودة قليلًا إلى التاريخ.
قبل قيام لبنان الحديث كان جبل لبنان يتمتع بنظام خاص عُرف باسم متصرفية جبل لبنان (1861 – 1918). وقد نشأ هذا النظام بعد أحداث دموية شهدها الجبل في القرن التاسع عشر، فاتفقت الدول الأوروبية والدولة العثمانية على إنشاء كيان إداري يتمتع بحكم ذاتي نسبي، يرأسه متصرف مسيحي غير لبناني. وقد ضم هذا الكيان مناطق الجبل الأساسية، لكنه لم يشمل مدن الساحل الكبرى مثل بيروت وطرابلس وصيدا، ولا سهول البقاع والجنوب.
وعندما انتهت الحرب العالمية الأولى أعلنت فرنسا عام 1920 قيام دولة لبنان الكبير، فوسّعت حدود جبل لبنان لتضم بيروت والساحل والبقاع والجنوب. وكان الهدف من هذا التوسيع، بحسب الوثائق التاريخية، تأمين مقومات اقتصادية للدولة الجديدة، إذ إن جبل لبنان وحده لم يكن يملك ما يكفي من الموارد الزراعية والمرافئ التي تسمح له بالحياة الاقتصادية المستقلة.
لكن هذا التوسيع الجغرافي حمل معه أيضًا تنوعًا طائفيًا وسياسيًا أكبر. فقد أصبح لبنان وطنًا يجمع جماعات مختلفة في رؤيتها للهوية والانتماء والعلاقات الإقليمية. ومنذ ذلك الحين عاش البلد محاولات متكررة لصياغة توازن دقيق بين هذه المكونات.
ومع مرور الزمن بدا أن هذا التوازن يتعرض لاختبارات قاسية. فالنظام السياسي اللبناني، القائم على توزيع السلطة بين الطوائف، نجح أحيانًا في احتواء الخلافات، لكنه عجز في مراحل أخرى عن امتصاص الصدمات، فكانت الانفجارات الكبرى، وفي مقدمها الحرب الأهلية التي لم تكن سوى تعبير عن فشل هذا التوازن في استيعاب التناقضات العميقة داخل المجتمع اللبناني.
واليوم، ومع تفاقم الأزمات المالية والسياسية، يشعر كثير من اللبنانيين بأن الدولة نفسها أصبحت عاجزة عن اتخاذ قرارات جامعة، وأن كل طائفة باتت تميل إلى خياراتها الخاصة، سواء في السياسة الداخلية أو في علاقاتها الإقليمية. وفي ظل هذا الانقسام يعود إلى الواجهة سؤال الكيان: هل يمكن أن يكون لبنان قد توسّع أكثر مما يحتمل؟
من هنا يطرح بعض المثقفين والساسة فكرة العودة إلى "لبنان الصغير". وهم يرون أن الكيان الأصغر والأكثر تجانسًا قد يكون أكثر قابلية للاستقرار، وأن المشكلة لم تكن يومًا في جبل لبنان نفسه، بل في التوسع الذي جعل الدولة تضم مناطق ذات توجهات سياسية مختلفة جذريًا، ما جعل القرار الوطني عرضةً للتجاذب الدائم.
غير أن هذا الطرح، بالرغم من ما يحمله من جاذبية نظرية لدى البعض، يواجه اعتراضات قوية لدى كثير من الباحثين. فلبنان الصغير، كما يذكّر المؤرخون، لم يكن كيانًا مكتفيًا اقتصاديًا، ولا قادرًا على تحصين نفسه عسكريًا أو سياسيًا بمعزل عن محيطه. لقد كان يعتمد بدرجة كبيرة على المرافئ الساحلية وعلى التبادل مع المناطق المحيطة، وهو ما جعل قيام لبنان الكبير محاولة لتأمين عمق اقتصادي وجغرافي للدولة الناشئة.
ثم إن الواقع الديموغرافي اللبناني اليوم يختلف كثيرًا عما كان عليه في القرن التاسع عشر. فالطوائف لم تعد موزعة جغرافيًا بطريقة تسمح بفصل واضح بينها، بل أصبحت متداخلة في معظم المناطق. وحتى جبل لبنان نفسه لم يعد كيانًا متجانسًا كما يتخيله البعض، بل هو اليوم مساحة مشتركة يعيش فيها مسيحيون ودروز وسنة وشيعة في نسيج اجتماعي متداخل.
ولهذا يرى كثير من المفكرين أن النقاش حول "لبنان الصغير" لا يجب أن يُفهم حرفيًا بوصفه مشروعًا جغرافيًا، بل بوصفه تعبيرًا عن أزمة ثقة عميقة داخل الكيان اللبناني. فحين يشعر جزء من المجتمع بأن الدولة لم تعد تحمي توازنه أو هويته يبدأ بالبحث عن صيغ بديلة، حتى لو كانت هذه الصيغ غير قابلة للتحقق عمليًا.
ومن هنا أيضًا يطرح بعض الباحثين حلولًا أخرى أقل راديكالية من فكرة التقسيم، مثل اللامركزية الإدارية الموسعة أو تحويل لبنان إلى دولة أقاليم تتمتع فيها المناطق بقدر واسع من الحكم الذاتي، مع بقاء الدولة المركزية إطارًا جامعًا للجميع. فالفكرة ليست في تقليص الجغرافيا، بل في إعادة تنظيم السلطة داخلها بطريقة تسمح بإدارة التنوع بدل أن يتحول هذا التنوع إلى مصدر دائم للصراع.
لكن السؤال الحقيقي، الذي تتوارى خلفه كل الأسئلة الأخرى، ليس: هل نعود إلى الجبل أم نبقى على الساحل؟ بل هو السؤال الأعمق والأصعب: كيف يمكن للبنانيين أن يصوغوا عقدًا اجتماعيًا جديدًا يسمح لهم بالعيش معًا في دولة واحدة، من دون أن يشعر أي فريق بأن الآخر يقرر مصيره منفردًا، أو بأن هويته مهددة داخل وطنه؟
هذا هو التحدي الذي رافق لبنان منذ ولادته الحديثة قبل أكثر من قرن، وهو الجرح الذي لم يندمل بعد. وما دام هذا الجرح مفتوحًا ستبقى فكرة "لبنان الصغير" حاضرة في الوعي السياسي اللبناني، لا بوصفها حلًا واقعيًا، بل بوصفها صرخة ألم، وإشارة إلى أن الصيغة التي قامت عليها الدولة تحتاج إلى مراجعة عميقة قبل أن يستنفد الزمن آخر فرصها.


