قبل سنوات، صاغ الأمير الشاعر الراحل بدر بن عبدالمحسن سؤالًا وجعًا في بيت من الشعر، نادرًا ما يجمع هذا القدر من البساطة اللغوية والعمق الإنساني:
"ليه الخليج مثل الشجر، كل ما عطى يُرمى بحجر؟".
ومؤخرًا أعاد الأمير عبد الرحمن بن مساعد استحضار هذا البيت في تغريدة، ليذكرنا أن السؤال لم يُحل بعد. بل إن راهنيته اليوم أصبحت أكثر إيلامًا في زمن بات فيه النجاح الخليجي عنوانًا رئيسيًا في المشهدين الاقتصادي والسياسي، ولم يعد مجرد وميض بعيد.
هنا يكمن السؤال المحير: كيف تحولت تجربة تنموية عربية رائدة إلى مادة دسمة للريبة والتشكيك؟ ولماذا يُقرأ نجاح دول الخليج، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، في بعض الأوساط وكأنه "شذوذ" عن القاعدة يحتاج إلى تفسير مؤامراتي، بدلاً من أن يكون نموذجًا يُدرس وتُستلهم منه الدروس؟
النجاح الخليجي ليس صدفة
الحقيقة التي يجب التصريح بها بكل وضوح هي أن ما وصلت إليه المملكة العربية السعودية ودول الخليج اليوم ليس نتاج صدفة تاريخية أو طفرة نفط عابرة. إنه ثمرة مسار طويل ومعقد من بناء الدولة العصرية على أسس متينة. مسار اعتمد على إدارة رشيدة للموارد وليس مجرد امتلاكها، وعلى استثمار إستراتيجي في الإنسان قبل المورد، وبناء مؤسسات قادرة على التكيف مع المتغيرات العالمية دون أن تفقد هويتها.
من يقرأ التجربة السعودية بموضوعية وحياد سيرى أن التحولات الكبرى التي تعيشها اليوم من رؤية 2030 إلى مشاريع عملاقة كنيوم والقدية، وصولًا إلى التمكين غير المسبوق للمرأة والشباب ليست قفزة في الفراغ. هي بالأحرى استكمال وتطوير لنهج تأسس على مدى عقود يقوم على فكرة مركزية مفادها: "لا وزن إقليميًا مؤثرًا بدون قوة داخلية متماسكة اقتصاديًا واجتماعيًا". لهذا ركزت السياسات السعودية على بناء اقتصاد متنوع، وتطوير بنية تحتية عابرة للقارات، وإصلاح تعليمي يواكب العصر، وكلها مسارات عملية تقيس نجاحها بالإنجازات على الأرض لا بالخطابات الإعلامية.
الإشكال في الخطاب الموجَّه: بين النقد البناء وخطاب "إلغاء الآخر"
لكن المفارقة اللافتة أن بعض الخطابات في الفضاء العربي ترفض، أو تجد صعوبة بالغة في، الاعتراف بهذا النجاح كحقيقة عربية. وهنا لا بد من التفريق بدقة بين النقد البناء، وهو أمر صحي وضروري لأي مجتمع، وبين خطاب "إلغاء الآخر" الذي يفسر كل إنجاز خليجي بأنه "دعاية فارغة"، وكل تحول إستراتيجي بأنه "مؤامرة كبرى"، وكل نجاح ملموس بأنه "استثناء لا يمكن تعميمه".
هذا النمط من التفكير في جوهره العميق لا يعبر عن مجرد موقف سياسي عابر، بل يكشف عن أزمة فكرية مزمنة يمكن تسميتها "عقدة النجاح العربي". إنها حالة القلق التي تنتاب بعض النخب عندما ينجح "الآخر" القريب، لأن هذا النجاح يفرض عليها سؤالًا وجوديًا موجعًا: إذا كان ممكنًا فلماذا لم نفعله نحن؟ بدلاً من أن يكون دافعًا للتقييم الذاتي والتطوير يتحول النجاح إلى تهديد رمزي يجب تحييده بالتقليل من شأنه أو باتهامه بالخيانة للقضايا الكبرى.
كيف تتعلم الأمم؟
لكنَّ دروس التاريخ التنموي تؤكد حقيقة لا لبس فيها: الأمم التي تمكنت من اللحاق بركب التقدم لم تفعل ذلك عبر إنكار نجاحات غيرها، بل عبر دراستها بتواضع واستخلاص العبر منها. لم تتقدم اليابان لأنها شككت في نجاح الغرب، ولم تصبح كوريا الجنوبية عملاقًا اقتصاديًا لأنها انتقدت النموذج الأميركي، بل لأنهما نظرتا إلى هذه التجارب كخرائط طريق قابلة للتهذيب والتطوير بما يتوافق مع ظروفهما.
وهذا بالضبط ما فعلته السعودية. هي لم تبدأ من الصفر، ولم تنكر تجارب الآخرين شرقًا وغربًا، بل استلهمت منها ما يتوافق مع قيمها وأهدافها وصاغته في قالب وطني أصيل. لهذا فإن قراءة المشهد السعودي اليوم يجب أن تكون في إطار أوسع: إنها محاولة جادة لبناء نموذج تنموي عربي حديث يقوم على تنويع الاقتصاد، وتمكين المجتمع، وتعزيز دولة المؤسسات والقانون. وهي تجربة إن نجحت واستمرت يمكن أن تكون مصدر إلهام وتحفيز لكثير من الدول العربية التي تبحث عن بصيص نور في عالم شديد التعقيد والتنافسية.
هذا ليس شأنًا سعوديًا داخليًا فحسب، بل تجربة يمكن أن تكون مصدر إلهام لكثير من الدول العربية التي تبحث عن طريقها في عالم شديد التغير.
الخاتمة: من "اقتصاد الغيرة" إلى "اقتصاد التكامل"
الخلاصة أن المشكلة الحقيقية في منطقتنا العربية لم تعد تكمن في ندرة التجارب الناجحة، بل في ندرة ثقافة الاعتراف بها والتعلم منها. نحن بحاجة ماسة إلى الانتقال من "اقتصاد الغيرة" القائم على لعبة المحصل صفر (نجاحك خسارتي) إلى "اقتصاد التكامل التنموي" القائم على قناعة راسخة بأن نجاح أي دولة عربية هو إثراء للتجربة العربية الشاملة، وإضافة نوعية لمستقبل المنطقة بأسرها، وليس تهديدًا لأحد.
ربَّما يبقى سؤال الأمير بدر معلقًا في الأفق: لماذا يُرمى الشجر المثمر بالحجارة؟
لعلَّ الإجابة أن الشجر المثمر هو وحده الجدير بالرمي لأنه وحده الذي يظل واقفًا شامخًا يُرى من بعيد، ويظلل من تحته، ويطعم من حوله. أما الشجر اليابس فلا يلتفت إليه أحد. لكن الأكيد أن الشجر المعطاء لا يتوقف عن النمو والعطاء مهما تكسرت على جذوعه الحجارة. فهو يعلم أن وظيفته في الحياة أن يبقى أخضر لا أن يرضي الرامين.

