تعيش المنطقة لحظة مفصلية إثر اندلاع المواجهة المفتوحة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. ومع تمدد رقعة الصراع في الخليج وتزايد الضربات الإيرانية على أهداف في العمق الخليجي، تجد المملكة العربية السعودية نفسها أمام معادلة حساسة: حماية أمنها القومي وردع أي تهديد مباشر، مقابل الحفاظ على قنوات دبلوماسية تمنع انزلاق المنطقة نحو مواجهة شاملة.
في هذا السياق، تتجسد السياسة السعودية الحالية في مقاربة "الردع والانفتاح المزدوج"، أي اعتماد توازن دقيق بين الصلابة العسكرية والمرونة السياسية.
قنوات الاتصال وميكانيزمات التواصل
بالرغم من الظروف الميدانية المعقدة، ما تزال قنوات الاتصال بين الرياض وطهران فاعلة، لكن طبيعتها تزداد حساسية.
تشهد الفترة الأخيرة تواصلاً مباشرًا بين وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي، في اتصالات متكررة تهدف إلى إدارة المخاطر الميدانية ومتابعة المستجدات الأمنية لحظة بلحظة. هذه المكالمات لا تعد مجرد مجاملات دبلوماسية، بل أداة وقائية لتفادي أي سوء تقدير قد يجر الطرفين إلى مواجهة مفتوحة.
في المقابل، يلعب السفير الإيراني في الرياض، علي رضا عنايتي، دور قناة اتصال يومية تسمح بتبادل المعلومات ورسائل النوايا، ما يمنح التواصل الثنائي طابعًا مؤسسيًا يتيح التهدئة أو الاستعداد المبكر عند اللزوم. إضافة إلى ذلك، تستثمر الرياض في قنوات متعددة الأطراف، سواء عبر الوسطاء الإقليميين أو القوى الدولية ذات النفوذ، في محاولة لتدويل منطق "ضبط التصعيد" وإبقاء خطوط التفاهم قائمة حتى وسط الحرب.
مصير اتفاق بكين 2023
يمثل اتفاق بكين الموقع عام 2023 مرجعية سياسية للعلاقات بين الجانبين، غير أن تداعيات الحرب الأخيرة جعلت منه إطارًا "معلقًا" وفق المصادر السعودية أكثر من كونه التزامًا فعليًا.
ترى إيران أن الاتفاق لا يزال قائمًا جزئيًا، في حين تعتبره الرياض بحاجة إلى مراجعة شاملة تراعي المتغيرات في بنية الحكم الإيراني بعد وفاة المرشد الأعلى، والتحولات الإقليمية.
تتداول أوساط سياسية احتمال بلورة نسخة محدثة من الاتفاق، أطلق عليها بعض المراقبين اسم "بكين 2"، تعتمد على صيغة توازن جديدة تحفظ مصالح الطرفين وتمنح الرياض ضمانات أمنية قوية بعد سقوط الثقة (أثر تهور الحرس الثوري) مقابل التزامات سياسية متبادلة.
أطر الاستقرار وحدود العلاقة
تعتمد إمكانية استمرار العلاقات الثنائية على معادلة الأمن والاشتباك. فكلما تصاعدت الهجمات الإيرانية ووسعت المملكة نطاق ردها العسكري في نطاق الردع، ستتعقد فرص استئناف الحوار السياسي وتصبح العودة إلى قناة تفاوض رسمية رهنًا بتسوية أمنية شاملة.
تدير الرياض الأزمة بمنهج "التحكم المرن"؛ فهي تفرض خطوطًا حمراء واضحة في الدفاع عن أراضيها، لكنها تترك دائمًا مساحة للدبلوماسية الوقائية، إدراكًا منها أن الصراع الإقليمي المفتوح لن يستفيد منه أحد، وأن الحفاظ على الحد الأدنى من التواصل مع طهران ضرورة إستراتيجية لا خيار سياسي.
قراءة في البعد الإستراتيجي
النهج السعودي في هذه المرحلة يقوم على مبدأ "الاتصال الاستباقي المزدوج":
"استباقي" في محاولته منع توسع الحرب إلى الداخل الخليجي أو تعطيل مسارات الطاقة والتجارة.
"مزدوج" لأنه يجمع بين الردع العسكري ودينامية الحوار.
تدرك القيادة السعودية أن القوة وحدها لا تحقق الاستقرار، وأن الحوار دون توازن قوة يفقده الفعالية. لذا، فإن الرياض توظف الاتصالات الدبلوماسية كامتداد للردع، وليس بدلاً منه، في معادلة تهدف إلى تحييد المخاطر مع الاحتفاظ بالقدرة على المناورة الإستراتيجية مستقبلًا.
تدل المؤشرات الراهنة على أن مسار العلاقات السعودية - الإيرانية بات أكثر ارتباطاً بنتائج الميدان ومستقبل القيادة الإيرانية الجديدة. فطبيعة سلوك طهران في الأسابيع المقبلة - بين التهدئة والاحتواء أو التصعيد والمواجهة - ستحدد ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو "إعادة ضبط للعلاقات" أم نحو قطيعة استراتيجية طويلة الأمد، ستعقد الموقف الإقليمي خاصة لجهة الإيراني مع حاجته للبناء وإعادة الإعمار بعد الحرب.
في كل الأحوال، تثبت تجربة الاتصالات الجارية أن الرياض تتعامل مع الحرب بعقلانية ردعية، تجمع بين الحذر والفعالية، في محاولة لتثبيت مكانتها كقوة إقليمية قادرة على إدارة الأزمات مع تفادي الانجرار إليها.

