ليست المشكلة في القبيلة بوصفها هوية اجتماعية أو امتداداً تاريخياً للإنسان العربي؛ فالقبيلة في أصلها كانت فضاءً للتكافل، وحاضنةً للقيم، ومصدراً للفروسية والنجدة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول القبيلة من رابطة اجتماعية إلى معيار ثقافي، ومن ذاكرة إنسانية إلى بوابة عبور للمشهد الأدبي والإعلامي، عندها لا يعود السؤال: من يكتب؟ بل يصبح السؤال: ابن من هو؟
في بعض المشاهد الثقافية، نكاد نرى الحوار الأدبي وقد تحول إلى مجلس أسري مصغر؛ يستضاف فيه ابن العم، ويحتفى فيه بابن القبيلة، ويقدم فيه الاسم قبل الفكرة، وكأن الأدب حكر على دائرة الدم، وكأن النقد لا يتقنه إلا أبناء العشيرة، حتى أصبح المتابع يلاحظ - دون عناء - أن بعض المنصات الثقافية لا تختار ضيوفها وفق معيار المعرفة، بل وفق معيار القرابة.
والأشد إيلاماً أن هذا التقديم لا يقوم على قيمة فكرية حقيقية، بل أحياناً على حضور مرتبك، ولغة أقرب إلى العامية المرتجلة، ورصيد معرفي لا يكشف عن قراءة عميقة ولا تجربة نقدية ناضجة، ومع ذلك يقدم هذا الصوت بوصفه ممثلاً للمشهد الثقافي، بينما تترك أصوات جادة، تقرأ وتكتب وتبحث، خارج دائرة المشهد.
إن الثقافة، بطبيعتها، نقيض العصبية، فالأدب لا يعترف بالنسب، والنقد لا يورث، والمعرفة لا تنتقل عبر شجرة الأسرة، الثقافة فضاء مفتوح لمن يمتلك الفكرة، ويصبر على القراءة، ويحسن التعبير، ويضيف إلى الوعي الإنساني لبنة جديدة، أما حين تتحول المنصات الثقافية إلى امتداد لعلاقات القرابة، فإنها لا تظلم المبدعين فحسب، بل تظلم الثقافة نفسها.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تخلق مشهداً مشوهاً؛ إذ يظهر للمتابع أن السطحية هي الصوت الأعلى، وأن اللغة المرتجلة يمكن أن تمثل الأدب، وأن المشهد الثقافي لا تحكمه معايير علمية أو فكرية، بل تحكمه شبكة العلاقات الضيقة.
إنَّ المشهد الثقافي السعودي - في ظل التحولات الكبرى التي تعيشها المملكة ورؤية 2030 التي تفتح آفاق المعرفة والإبداع - يحتاج إلى أن يتحرر من هذه الظلال الضيقة، فالوطن اليوم يفتح أبوابه للعالم، ويصنع اقتصاد المعرفة، ويستثمر في الثقافة بوصفها قوة ناعمة، ولا يمكن لهذا المشروع أن يزدهر إذا بقيت بعض المنصات أسيرة للعصبيات الصغيرة.
الثقافة الحقيقية لا تبنى بالمجاملات، بل بالكفاءة، ولا تزدهر بالأسماء المتكررة، بل بالأفكار الجديدة، ولا تتسع بالقرابة، بل بالمعرفة.
ولهذا فإن الحاجة اليوم ليست إلى مجرد نقد هذه الظاهرة، بل إلى ميلاد ثقافي جديد؛ ميلاد لا يسأل الكاتب عن قبيلته، بل عن فكرته، لا يقيس المتحدث باسم أسرته، بل بقدرته على الإضافة، ميلاد يفتح المنصات لمن يستحقها، ويعيد الاعتبار للمعرفة بوصفها المعيار الوحيد للحضور.
عندها فقط يمكن أن نقول إن الثقافة قد تحررت من ضيق العصبية إلى سعة الفكرة، ومن ظل القبيلة إلى أفق الإنسان.
وحين يحدث ذلك، لن نحتاج إلى أن نسأل: ابن من هذا المتحدث؟ بل سنكتفي بالسؤال الأجمل: ماذا قال؟ وكيف أضاف؟


