: آخر تحديث

المطرقة والختم الأخير: واشنطن تستكمل هندسة الضربة الشاملة

3
3
3

في الثامن من شباط (فبراير) 2026، وبينما كانت أنظار الملايين تتجه صوب ولاية كاليفورنيا بانتظار العرض الجوي التقليدي المبهر في افتتاح "السوبر بول" على استاد "ليفايس"، حدث تحول مفاجئ لم ترصده كاميرات الجماهير، لكنه أثار ريبة المراقبين العسكريين في غرف العمليات المغلقة. ففي اللحظات الأخيرة سُحبت طائرتان من طراز F-22 Raptor التي توصف بأنها "سيدة الأجواء" وذروة التكنولوجيا الشبحية الأميركية من العرض بشكل مفاجئ، ليتم استبدالهما بطائرات F-35. وبالرغم من أن القيادة الجوية حاولت تهدئة التساؤلات عبر تبرير رسمي تحت لافتة "المهام العملياتية العاجلة"، إلا أن هذا التغيير في جدول احتفالي ضخم استغرق تنسيقه أشهرًا لا يمكن اعتباره مجرد مصادفة تقنية. فانسحاب "الرابتور" في هذا التوقيت الحساس ليس مجرد إجراء روتيني، بل هو مؤشر صارخ على أن الولايات المتحدة قد انتقلت من مرحلة استعراض القوة إلى مرحلة استخدامها، وأن ثمة تحركات استراتيجية كبرى تجري في الخفاء بعيدًا عن أضواء الاستادات ومنابر الخطابة.

وبينما تنشغل وكالات الأنباء العالمية بمتابعة مسار مفاوضات عُمان الدبلوماسية، تشير البيانات العسكرية القادمة من أميركا الشمالية وأوروبا والخليج العربي إلى مشهد مغاير تمامًا. فنحن لا نقف أمام بوادر تهدئة، بل نشهد أضخم عملية إعادة تموضع استراتيجي للقوات الأميركية منذ حرب الخليج عام 1991. من هنا يبدو أن الحديث عن الدبلوماسية في هذا التوقيت ليس إلا "خداعًا استراتيجيًا" كلاسيكيًا يهدف لشراء الوقت اللازم لبناء "قبة حديدية إقليمية" قادرة على امتصاص الضربة المرتدة المتوقعة. فقد تحولت القواعد اللوجستية في رامشتاين (ألمانيا) و"لاكنهيث" (بريطانيا) و"ترافيس" (أميركا) إلى خلايا نحل تعمل بطاقتها القصوى، مما يؤكد أن الحرب قد بدأت فعليًا في ممرات الشحن والإمداد.

إنَّ سحب طائرات F-22 التي تتلخص مهمتها في التسلل بفضل قدراتها الشبحية لتحييد منظومات الدفاع الجوي الإيرانية مثل S-300 وS-400 وفتح الطريق أمام الطائرات الأخرى، وتجهيز قاذفات B-1B Lancer التي وصلت بالفعل إلى قاعدة العديد في قطر، وهي المنصة الأساسية لإطلاق صواريخ JASSM، ومهمتها مسح المواقع العسكرية ومخازن الصواريخ الباليستية عن وجه الأرض، يعطي انطباعًا بأن هدف إدارة الرئيس دونالد ترامب قد تجاوز "تغيير السلوك" الإيراني إلى "التدمير الشامل" للقدرات النووية والصاروخية. كما أن بيانات التتبع الجوي التي كشفت عن وصول 118 رحلة شحن عملاقة مثل C-17 إلى المنطقة في وقت قياسي، وهذا الرقم ليس مجرد تبديل روتيني، بل هو حشد عسكري شامل لبناء جدار دفاعي يغطي 19 موقعًا استراتيجيًا في دول الخليج والأردن والعراق. وتهدف هذه التحركات إلى تأمين القوات الأميركية وحلفائها من أي رشقات انتقامية إيرانية، حيث تشمل الشحنات منظومات THAAD وPAC-3 المتطورة.

إضافة إلى كل هذه التحركات، شهدت حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln في بحر العرب في السابع من شباط (فبراير) زيارة استثنائية ضمت قائد القيادة المركزية الجنرال مايكل كوريلا (المنفذ العسكري)، والمبعوث الدبلوماسي ستيف ويتكوف (الرسول السياسي)، ومستشار الرئيس جاريد كوشنر (السلطة الرئاسية). اجتماع هؤلاء الثلاثة على ظهر الحاملة هو "الختم النهائي" على خطة الحرب، ورسالة واضحة للداخل والخارج بأن التنسيق بين البنتاغون والخارجية والمكتب البيضاوي قد اكتمل، وأن خيار القوة بات هو المسار المعتمد تحت شعار "السلام من خلال القوة". كما أن تقديم موعد القمة بين الرئيس ترامب ورئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو إلى الأربعاء المقبل 11 شباط (فبراير) سيكون بمثابة الإعلان عن اكتمال الاستعدادات. وأعتقد أن هذه القمة لن تناقش مفاوضات عُمان "الميتة إكلينيكيًا"، بل ستضع اللمسات الأخيرة على "ساعة الصفر" وتوزيع الأدوار بين واشنطن ولندن وتل أبيب.

في نهاية المطاف، حين نجمع هذه الخيوط الاستراتيجية الخمسة ونضعها في سياقها الصحيح، بدءًا من الانسحاب الغامض لمقاتلات F-22 Raptor، ومرورًا بالجسر الجوي الذي لم يشهد له التاريخ المعاصر مثيلًا، وصولًا إلى زيارة "مجلس الحرب الثلاثي" لحاملة الطائرات، وأخيرًا توقيت القمة المرتقبة في واشنطن، نجد أنفسنا أمام حقيقة واحدة حتمية، وهي أننا نشهد السطور الأخيرة من مرحلة الاحتواء وبداية عصر المواجهة. فالولايات المتحدة الأميركية لا تحرك أصولًا عسكرية بهذا العيار الثقيل، ولا تتحمل أعباءً لوجستية وتكاليف مادية مرعبة تحت أنظار العالم أجمع، لمجرد تحسين شروط التفاوض في مسارات دبلوماسية وُلدت ميتة. وحالة الترقب التي تسود المشهد الآن ليست ترددًا سياسيًا، بل هي "اللمسات الأخيرة" لإحكام المفاصل في آلة حربٍ اكتمل بناؤها، وباتت محركاتها في وضع التشغيل. فبينما يحبس العالم أنفاسه انتظارًا لما سيسفر عنه يوم الأربعاء، تظل لغة الأرقام والواقع الميداني هي الأصدق. فالقرار قد اتُخذ بالفعل، وما نعيشه الآن ليس إلا "الهدوء الذي يسبق العصف". وهذه المرة لم يعد الهدف مجرد توجيه رسالة تحذيرية، بل هو التدمير الشامل للقدرات المعادية. فالصورة اكتملت، وبات إشعال الفتيل مسألة وقت ليس إلا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.