: آخر تحديث

إبستين وجزيرة العار العالمي

3
3
3

لم تكن قضية إبستين مجرد فضيحة أخلاقية عابرة، ولا حادثة شاذة في سجل الجرائم المالية أو الجنسية، بل تحولت بسرعة إلى مرآة صادمة عكست هشاشة النخب العالمية، وكشفت أن القوة والنفوذ لا يصنعان دائماً حصانةً أخلاقيةً، بل أحياناً يصنعان شعوراً خطيراً بالإفلات من المساءلة.
السؤال الذي حيّر كثيرين ليس فقط ماذا حدث هناك، بل لماذا ذهب كل هؤلاء أصلاً إلى جزيرة يمكن الاستغناء عنها بسهولة لو كان الهدف مجرد متعة أو علاقات خاصة.

التحليل السياسي الواقعي يقول إن الجزيرة لم تكن مجرد مكان، بل كانت منصة نفوذ. في عالم السياسة والمال، اللقاءات غير الرسمية كثيراً ما تكون أهم من الاجتماعات الرسمية، لأنها تتيح بناء الثقة بعيداً عن البروتوكول، وتمرير أفكار أو صفقات لا تتحمل الضوء الإعلامي. وهذه الثقافة ليست سراً؛ فهي جزء من تقاليد النخب منذ قرون، من صالونات أوروبا القديمة إلى منتجعات رجال الأعمال الحديثة. إبستين فهم هذه القاعدة جيداً، وقدم نفسه بوصفه وسيطاً بين المال والسياسة والفكر، وليس مجرد رجل ثري يبحث عن علاقات شخصية.

هناك أيضاً عامل نفسي معقد يتعلق بالسلطة. كثير من أصحاب النفوذ يطورون مع الزمن ما يسميه علماء النفس السياسي "وهم السيطرة"، أي الاعتقاد بأنهم قادرون على إدارة المخاطر مهما كانت، وأن علاقاتهم كفيلة بحمايتهم. هذا الشعور يجعل بعضهم يقبل دعوات قد لا يقبلها في بدايات حياته المهنية. الأمر لا يتعلق دائماً بسوء نية، بل أحياناً بثقة مفرطة بالنفس وبالبيئة المحيطة. التاريخ مليء بأمثلة قادة ورجال أعمال وقعوا في أزمات لأنهم ظنوا أنهم خارج دائرة المحاسبة.

ومن زاوية أخرى، لعبت طبيعة العزلة الجغرافية دوراً نفسياً مهماً. الأماكن البعيدة تعطي انطباعاً زائفاً بالأمان. الجزيرة الخاصة، الطائرة الخاصة، الدائرة المغلقة، كلها عناصر تصنع شعوراً بأن ما يحدث هناك سيبقى هناك. لكن عصر الإعلام الرقمي والهواتف الذكية كسر هذه القاعدة، وأثبت أن العزلة الجغرافية لم تعد تعني سرية حقيقية. ما كان يُدار خلف الأبواب المغلقة قبل عقود يمكن أن يصبح خلال ساعات خبراً عالمياً.

القضية أيضاً أثرت بعمق على صورة النخب الغربية تحديداً. فالغرب بنى جزءاً كبيراً من خطابه الدولي على مفاهيم الشفافية وسيادة القانون، وعندما تظهر شبهات حول شخصيات نافذة أو مؤسسات قوية، تتضرر هذه الصورة، حتى لو لم تثبت إدانات قضائية. في السياسة الدولية، الصورة لا تقل أهمية عن الحقيقة القانونية، وأحياناً تكون أكثر تأثيراً. لذلك استُخدمت القضية إعلامياً من قبل خصوم الغرب لإبراز تناقضاته الأخلاقية، كما استُخدمت داخلياً في صراعات سياسية وانتخابية.

لكن من المهم أيضاً التمييز بين الذكر في الوثائق والإدانة القضائية. كثير من الأسماء التي تكررت في الإعلام لم تثبت بحقها مخالفات قانونية، وبعضها كان في إطار علاقات اجتماعية أو مالية مشروعة. الخلط بين الأمرين يخلق ضبابيةً خطيرةً، ويغذي ثقافة الاتهام بلا دليل، وهي ثقافة لا تقل ضرراً عن التستر على الجرائم. التوازن هنا ضروري: لا تبرئة عشوائية ولا إدانة بلا برهان.

الأثر الأعمق للقضية ربما كان في تآكل الثقة الشعبية بالمؤسسات. المواطن العادي يرى أن شخصاً أقل نفوذاً كان سيواجه مصيراً مختلفاً لو ارتبط اسمه بمثل هذه الشبهات. هذا الشعور، سواء كان دقيقاً أم لا، يغذي الشعبوية ونظريات المؤامرة، ويضعف الثقة في العدالة والإعلام والسياسة. وحين تتراجع الثقة، يصبح المجتمع أكثر قابليةً للانقسام والتطرف في المواقف.

هناك بعد آخر لا يقل أهمية، وهو الإعلام الرقمي. هذه القضية أكدت أن التحكم في السرد لم يعد بيد المؤسسات الكبرى فقط. منصات التواصل أصبحت ساحة تحقيق موازية، أحياناً تكشف حقائق وأحياناً تنشر شائعات. هذا التحول غيّر قواعد اللعبة السياسية والإعلامية، وجعل إدارة السمعة أكثر تعقيداً للنخب والشركات والدول.

في النهاية، ربما تكون جزيرة إبستين أقل أهميةً من الرمزية التي حملتها. هي ليست مجرد قطعة أرض في البحر، بل رمز لعصر تتشابك فيه السلطة بالمال بالإعلام بطريقة غير مسبوقة. والدرس الأبرز ليس أخلاقياً فقط، بل سياسي واستراتيجي: النفوذ في عصر الشفافية الرقمية لم يعد درعاً كافياً، بل قد يتحول إلى عبء مضاعف، لأن سقف التوقعات الأخلاقية من القادة أصبح أعلى من أي وقت مضى.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس لماذا ذهبوا إلى الجزيرة، بل ماذا تعلّم العالم من القصة. إذا بقيت مجرد فضيحة عابرة، فستتكرر بأشكال مختلفة. أما إذا تحولت إلى درس في الشفافية والمساءلة، فقد تكون لحظةً فارقةً في علاقة الشعوب بالنخب. التاريخ لم يحسم الإجابة بعد، لكنه بالتأكيد فتح باباً لن يُغلق بسهولة.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.