على مشارف شهر رمضان، وفي لحظة يُفترض أن تسمو فيها الخطابات وتتقدم فيها لغة الأخوة على سواها، اختار نائب كويتي سابق أن يقرأ قراراً وزارياً حديثاً في السعودية من زاوية طائفية ضيقة، لا تُثري نقاشاً ولا تعزز العلاقات بين الشعبين الشقيقين.
لم يكن المطلوب مديحاً ولا تزكيةً، بل قراءةً سياسيةً متزنةً، تزن التطورات في الرياض بميزان الموضوعية، وتُخضع القرار للنقد الرصين، إن استوجب، بعيداً عن فرز اجتماعي وديني يختزل الدول في انتماءات، ويُسقط على الوقائع أحكاماً مُسبقةً.
غير أن الطائفية المقيتة طغت على المنشور في منصة إكس، فعاد الخطاب إلى مربع الانقسام، وتحول التعليق إلى تصنيف مذهبي لا يخدم حقيقةً ولا يبني موقفاً.
إن النظر إلى القرارات الحكومية السعودية بعين مريضة، وضمير عليل، لا يُنتج إلا مزيداً من التباعد، فالتاريخ السياسي للدول، بما له وما عليه، لا يُقرأ عبر عدسة الهوية الطائفية، بل عبر معايير الحوكمة، ومآلات السياسات، وأثرها في الاستقرار والتنمية.
أما تصدير أحكامٍ عامةٍ على تاريخ دولة بحجم المملكة السعودية وحكوماتها، فذلك أقرب إلى خطاب التعبئة الطائفية، منه إلى التحليل السياسي الموضوعي.
تلك لمحة مقتضبة عن إشكالية تتكرر كلما ضاق أفق السياسة واتسعت مساحات الاستثمار في التقسيم والانقسام والمحاصصة على أساس طائفي.
إن أخطر ما في الطائفية أنها لا تكتفي بتسميم اللحظة، بل تُراكم الشروخ في الوعي الجمعي، وتحول الخلاف السياسي، وهو صحي بطبيعته، إلى خصومة عمياء.
وإذا كان من واجب السياسي أن يُعارض، حين يقتضي الأمر، فإن من واجبه كذلك أن يصون الكلمة من أن تكون معول هدم في جدار الأخوة الخليجية.
فالعلاقات بين الكويت والسعودية ليست تفصيلاً عابراً في مشهد طارئ، بل ركيزة استقرارٍ تاريخيةً، تعلو على حسابات الأفراد وتغريداتهم، وانتماءاتهم الدينية والاجتماعية.
إن القراءة البراغماتية المسؤولة تقتضي أن نُميز بين النقد الموضوعي، الذي يُقوّم المسار، وبين الخطاب الطائفي الذي يُحرّض ويُفرّق.
وما أحوجنا، ونحن على أعتاب شهرٍ كريمٍ، إلى خطاب يجمع ولا يُشتت، ويُرسخ وعياً سياسياً ناضجاً يُدرك أن الأوطان أكبر من أن تُختزل في اصطفاف مذهبي عابر.
وما أحوجنا في الكويت إلى خطاب غير طائفي، والتعلم من دروس الماضي القريب والبعيد أيضاً، والانحرافات النيابية، والشروخ في جدار النسيج الاجتماعي، والتشدد الديني.
ليس الهدف من هذا الرأي الدخول في اشتباك مع رأي جانبه الصواب، وسمّم الأجواء، وإنما التذكير بأن الأوطان لا تُبنى على محاصصة طائفية بين مكونات فرعية، ولا على نزعات عنصرية تُجزئ ما ينبغي أن يبقى موحداً.
إنها ظاهرة خطرة تُهدد الشعوب ووحدتها، حين تستدرج الأوطان إلى ملاعب الفتنة وفخ تدويرِ الطائفية المزمنة.

